18.74-76
يقول تعالى ﴿ فانطلقا ﴾ أي بعد ذلك ﴿ حتى إذا لقيا غلاما فقتله ﴾ ، وقد تقدم أنه كان يلعب مع الغلمان في قرية من القرى، وأنه عمد إليه من بينهم، وكان أحسنهم وأجملهم فقتله، وروي أنه اجتز رأسه، وقيل رضخه بحجر، وفي رواية اقتلعه بيده، والله أعلم. فلما شاهد موسى عليه السلام هذا أنكره أشد من الأول، وبادر فقال ﴿ أقتلت نفسا زكية ﴾: أي صغيرة، لم تعمل الحنث، ولا عملت إثما بعد، فقتلته ﴿ بغير نفس ﴾: أي بغير مستند لقتله ﴿ لقد جئت شيئا نكرا ﴾: أي ظاهر النكارة ﴿ قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا ﴾ فأكد أيضا في التذكار بالشرط الأول، فلهذا قال له موسى ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها ﴾: أي إن اعترضت عليك بشيء بعد هذه المرة ﴿ فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا ﴾: أي قد أعذرت إلي مرة بعد مرة، قال ابن جرير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم:
" رحمة الله علينا وعلى موسى لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب، لكنه قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدي عذرا ".
18.77-78
يقول تعالى مخبرا عنهما؛ إنهما ﴿ فانطلقا ﴾ بعد المرتين الأوليين ﴿ حتى إذآ أتيآ أهل قرية ﴾ ، روي عن ابن سيرين أنها الإيكة، وفي الحديث: " حتى إذا أتيا أهل قرية لئاما " أي بخلاء؛ ﴿ فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض ﴾ إسناد الإرادة ههنا إلى الجدار على سبيل الاستعارة؛ فإن الإرادة في المحدثات بمعنى الميل؛ والانقضاض هو السقوط. وقوله ﴿ فأقامه ﴾ أي فرده إلى حالة الاستقامة، وقد تقدم في الحديث أنه رده بيديه ودعمه حتى رد ميله، وهذا خارق، فعند ذلك قال موسى له ﴿ لو شئت لتخذت عليه أجرا ﴾ أي لأجل أنهم لم يضيفونا كان ينبغي أن لا تعمل لهم مجانا ﴿ هذا فراق بيني وبينك ﴾ أي لأنك شرطت عند قتل الغلام أنك إن سألتني عن شيء بعدها فلا تصاحبني، فهو فراق بيني وبينك، ﴿ سأنبئك بتأويل ﴾ أي بتفسير ﴿ ما لم تستطع عليه صبرا ﴾.