سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا
[الكهف: 78] فقابل الأثقل بالأثقل، والأخف بالأخف، كما قال:
فما اسطاعوا أن يظهروه
[الكهف: 97] وهو الصعود إلى أعلاه
وما استطاعوا له نقبا
[الكهف: 97] وهو أشق من ذلك، فقابل كلا بما يناسبه لفظا ومعنى والله أعلم. فإن قيل: فما بال فتى موسى ذكر في أول القصة ثم لم يذكر بعد ذلك؟ فالجواب أن المقصود بالسياق إنما هو قصة موسى مع الخضر، وذكر ما كان بينهما، وفتى موسى معه تبع، وقد صرح في الأحاديث المتقدمة في " الصحاح " وغيرها، أنه (يوشع بن نون) وهو الذي كان يلي بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام.
18.83-84
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ ويسألونك ﴾ يا محمد ﴿ عن ذي القرنين ﴾ أي عن خبره، وقد قدمنا أنه بعث كفار مكة إلى أهل الكتاب، يسألون منهم ما يمتحنون به النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: سلوه عن رجل طواف في الأرض، وعن فتية ما يدري ما صنعوا، وعن الروح، فنزلت سورة الكهف وقد ذكر الأزرقي وغيره أنه طاف بالبيت مع إبراهيم الخليل عليه السلام أول ما بناه وآمن به، وتبعه، وكان وزيره الخضر عليه السلام، وقد ذكرنا طرفا صالحا من أخباره في كتاب " البداية والنهاية " بما فيه كفاية والحمد لله. وقال بعض أهل الكتاب، سمي ذا القرنين لأنه ملك الروم وفارس، وقال بعضهم: كان في رأسه شبه القرنين. وقال سفيان الثوري، عن أبي الطفيل: سئل علي رضي الله عنه عن ذي القرنين فقال: كان عبدا ناصحا لله فناصحه، دعا قومه لله فضربوه على قرنه فمات، فسمي ذا القرنين، ويقال إنه سمي ذا القرنين لأنه بلغ المشارق والمغارب من حيث يطلع قرن الشمس ويغرب. وقوله: ﴿ إنا مكنا له في الأرض ﴾ أي أعطيناه ملكا عظيما، ممكنا فيه من جميع ما يؤتى الملوك من التمكين والجنود وآلات الحرب والحضارات، ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض، ودانت له البلاد وخضعت له ملوك العباد. وخدمته الأمم من العرب والعجم، ولهذا ذكر بعضهم أنه إنما سمي ذا القرنين لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها، وقوله: ﴿ وآتيناه من كل شيء سببا ﴾ ، قال ابن عباس: يعني علما، وقال قتادة: منازل الأرض وأعلامها، وقال عبد الرحمن بن زيد، تعليم الألسنة، قال: كان لا يغزو قوما إلا كلمهم بلسانهم، وعن حبيب بن حماد قال: كنت عند علي رضي الله عنه، وسأله رجل عن ذي القرنين، كيف بلغ المشرق والمغرب؟ فقال: سبحان الله سخر له السحاب وقدر له الأسباب وبسط له اليد.