13.30
يقول تعالى وكما أرسلناك يا محمد في هذه الأمة ﴿ لتتلوا عليهم الذي أوحينآ إليك ﴾ أي تبلغهم رسالة الله إليهم كذلك أرسلنا في الأمم الماضية الكافرة بالله، وقد كذب الرسل من قبلك فلك بهم أسوة، وكما أوقعنا بأسنا ونقمتنا بأولئك فليحذر هؤلاء من حلول النقم بهم، قال الله تعالى:
ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا
[الأنعام: 34] أي كيف نصرناهم وجعلنا العاقبة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة، وقوله: ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ أي هذه الأمة التي بعثناك فيهم يكفرون بالرحمن لا يقرون به، لأنهم كانوا يأنفون من وصف الله ب
الرحمن الرحيم
[الفاتحة: 3] ولهذا أنفوا يوم الحديبية أن يكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم، وقالوا: ما ندري ما الرحمن الرحيم. وفي " صحيح مسلم ":
" إن أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن "
﴿ قل هو ربي لا إله إلا هو ﴾ أي هذا الذي تكفرون به أنا مؤمن به معترف مقر له بالربوبية والإلهية، هو ربي لا إله إلا هو ﴿ عليه توكلت ﴾ أي في جميع أموري، ﴿ وإليه متاب ﴾ أي إليه أرجع وأنيب فإنه لا يستحق ذلك أحد سواه.
13.31
يقول تعالى مادحا للقرآن الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم ومفضلا له على سائر الكتب المنزلة قبله: ﴿ ولو أن قرآنا سيرت به الجبال ﴾ أي لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال عن أماكنها، أو تقطع به الأرض وتنشق، أو تكلم به الموتى في قبورها، لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره، أو بطريق الأولى أن يكون كذلك لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنسان والجن عن آخرهم إذا اجتمعوا أن يأتوا بمثله ولا بسورة من مثله، ومع هذا فهؤلاء المشركون كافرون به جاحدون له، ﴿ بل لله الأمر جميعا ﴾ أي مرجع الأمور كلها إلى الله عز وجل ما شاء كان، ما لم يشأ لم يكن، وقد يطلق اسم القرآن على كل من الكتب المتقدمة لأنه مشتق من الجمع، وفي الحديث الصحيح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدابته أن تسرج، فكان يقرأ القرآن من قبل أن تسرج دابته، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه "
، والمراد بالقرآن هو الزبور، وقوله: ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا ﴾ أي من إيمان جميع الخلق ويعلموا أن يتبينوا ﴿ أن لو يشآء الله لهدى الناس جميعا ﴾ فإنه ليس ثم حجة ولا معجزة، أبلغ ولا أنجع في العقول والنفوس، من هذا القرآن الذي لو أنزله الله عز وجل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله، وثبت في " الصحيح " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" ما من نبي إلا وقد أوتي ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة "
معناه أن معجزة كل نبي انقرضت بموته وهذا القرآن حجة باقية على الآباد لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا يشبع منه العلماء.
وروي أن المشركين قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها، أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيى الموتى لقومه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿ ولو أن قرآنا سيرت به الجبال ﴾. وقال قتادة: لو فعل هذا بقرآن غير قرآنكم لفعل بقرآنكم، وقوله: ﴿ بل لله الأمر جميعا ﴾ قال ابن عباس: أي لا يصنع من ذلك إلا ما شاء ولم يكن ليفعل. وقال غير واحد من السلف في قوله: ﴿ أفلم ييأس الذين آمنوا ﴾ أفلم يعلم الذين آمنوا، وقوله: ﴿ ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم ﴾ أي بسبب تكذيبهم لا تزال القوارع تصيبهم في الدنيا أو تصيب من حولهم ليتعظوا ويعتبروا، كما قال تعالى:
أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافهآ أفهم الغالبون