تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

13.5

يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وإن تعجب ﴾ من تكذيب هؤلاء المشركين بالمعاد، مع ما يشاهدونه من آيات الله سبحانه ودلائله في خلقه، ومع ما يعترفون به من أنه ابتدأ خلق الأشياء بعد أن لم تكن شيئا مذكورا، ثم هم بعد هذا يكذبون في أنه سيعيد العالم خلقا جديدا، فالعجب من قولهم: ﴿ أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد ﴾ وقد علم كل عالم وعاقل أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، وأن من بدأ الخلق فالإعادة عليه أسهل، كما قال تعالى:

أولم يروا أن الله الذي خلق السموت والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير

[الأحقاف: 33]، ثم نعت المكذبين، بهذا، فقال: ﴿ أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم ﴾ أي يسحبون بها في النار، ﴿ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ أي ماكثون فيها أبدا لا يحولون عنها ولا يزولون.

13.6

يقول تعالى: ﴿ ويستعجلونك ﴾ أي هؤلاء المكذبون، ﴿ بالسيئة قبل الحسنة ﴾ أي بالعقوبة، كما أخبر عنهم في قوله:

ويستعجلونك بالعذاب

[الحج: 47] الآية، وقال تعالى:

سأل سآئل بعذاب واقع

[المعارج: 1]، وقال:

يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها

[الشورى: 18]، وقال:

وقالوا ربنا عجل لنا قطنا

[ص: 16] الآية، أي عقابنا وحسابنا، فكانوا من شدة تكذيبهم وعنادهم وكفرهم، يطلبون أن يأتيهم بعذاب الله، قال الله تعالى: ﴿ وقد خلت من قبلهم المثلات ﴾ أي قد أوقعنا نقمنا بالأمم الخالية، وجعلناهم عبرة وعظة لمن اتعظ بهم؛ ثم أخبر تعالى أنه لولا حلمه وعفوه لعاجلهم بالعقوبة كما قال:

ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دآبة

[فاطر: 45]، وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾ أي إنه تعالى ذو عفو وصفح وستر للناس، مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار، ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب ليعتدل الرجاء والخوف، كما قال تعالى:

فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين

[الأنعام: 147]، وقال:

إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم

[الأنعام: 167] إلى أمثال ذلك من الآيات التي تجمع الرجاء والخوف، عن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحدا العيش، ولولا وعيده وعقابه لا تكل كل أحد ".

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٨٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٨٤٧