تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال شيخنا الإمام العلامة ابن تيمية رحمه الله: وهذا قول مالك وأكثر السلف وهو أصح الأقوال، فإذا ثبت هذا وعلم فقد اختلف أيضا في الذي كان يناله عليه السلام من الخمس ماذا يصنع به من بعده؟ فقال قائلون: يكون لمن يلي الأمر من بعده، وقال آخرون: يصرف في مصالح المسلمين؛ وقال آخرون: بل هو مردود على بقية الأصناف ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، اختاره ابن جرير. وقال آخرون: بل سهم النبي صلى الله عليه وسلم وسهم ذوي القربى مردودان على اليتامى والمساكين وابن السبيل، قال ابن جرير: وذلك قول جماعة من أهل العراق، وقيل: إن الخمس جميعه لذوي القربى، ثم اختلف الناس في هذين السهمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قائلون: سهم النبي صلى الله عليه وسلم يسلم للخليفة من بعده، وقال آخرون: لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال آخرون: سهم القرابة لقرابة الخليفة، واجتمع رأيهم أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله، فكانا على ذلك في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

قال الأعمش عن إبراهيم: كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبي صلى الله عليه وسلم في الكراع والسلاح، فقلت لإبراهيم: ما كان علي يقول فيه؟ قال: كان أشدهم فيه، وهذا قول طائفة كثيرة من العلماء رحمهم الله، وأما سهم ذوي القربى فإنه يصرف إلى (بني هاشم) و (بني المطلب) لأن بني المطلب وازروا بني هاشم في الجاهلية وفي أول الإسلام، ودخلوا معهم في الشعب غضبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحماية له، مسلمهم طاعة لله ولرسوله، وكافرهم حمية للعشيرة وأنفة وطاعة لأبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وأما بنو عبد شمس وبنو نوفل، وإن كانوا بني عمهم فلم يوافقوهم على ذلك، بل حاربوهم ونابذوهم، ومالأوا بطون قريش على حرب الرسول.

وقال جبير بن مطعم:

" مشيت أنا وعثمان بن عفان، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال: " إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد "

وفي بعض روايات هذه الحديث:

" إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام "

؛ وهذا قول جمهور العلماء أنهم بنو هاشم وبنو المطلب. قال ابن جرير: وقال آخرون: هم بنو هاشم، ثم روى عن مجاهد قال: علم الله أن في بني هاشم فقراء، فجعل لهم الخمس مكان الصدقة، وفي رواية عنه قال: هم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين لا تحل لهم الصدقة؛ عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" رغبت لكم عن غسالة الأيدي، لأن لكم من خمس الخمس ما يغنيكم أو يكفيكم "

، وقوله: ﴿ واليتامى ﴾ أي أيتام المسلمين، واختلف العلماء هل يختص بالأيتام الفقراء أو يعم الأغنياء والفقراء؟ على قولين، والمساكين هم المحاويج الذين لا يجدون ما يسد خلتهم ومسكنتهم ﴿ وابن السبيل ﴾ هو المسافر أو المريد للسفر إلى مسافة تقصر فيها الصلاة وليس له ما ينفقه في سفره ذلك، وسيأتي تفسير ذلك في آية الصدقات من سورة براءة إن شاء الله تعالى.

وقوله تعالى: ﴿ إن كنتم آمنتم بالله ومآ أنزلنا على عبدنا ﴾ أي امتثلوا ما شرعنا لكم من الخمس في الغنائم إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وما أنزل على رسوله، ولهذا جاء في " الصحيحين " من حديث عبد الله بن عباس في وفد عبد القيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم:

" وآمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله، ثم قال: هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا الخمس من المغنم "

الحديث فجعل أداء الخمس من جملة الإيمان، وقوله: ﴿ يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ﴾ ينبه تعالى على نعمته وإحسانه إلى خلقه بما فرق بين الحق والباطل ببدر، ويسمى الفرقان، لأن الله أعلى فيه كلمة الإيمان على كلمة الباطل، وأظهر دينه ونصر نبيه وحزبه، قال ابن عباس: يوم الفرقان يوم بدر، فرق الله فيه بين الحق والباطل. وقال عروة بن الزبير: ﴿ يوم الفرقان ﴾ يوم فرق الله بين الحق والباطل، وهو يوم بدر، وهو أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رأس المشركين (عتبة بن ربيعة) فالتقوا يوم الجمعان لتسع عشرة أو سبع عشرة مضت من رمضان وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ثلثمائة وبضعة عشر رجلا، والمشركون ما بين الألف والتسعمائة، فهزم الله المشركين، وقتل منهم زيادة على السبعين وأسر منهم مثل ذلك، وكانت ليلة الفرقان يوم التقى الجمعان لسبع عشرة من رمضان. روى ابن مردويه عن علي قال: كانت ليلة الفرقان ليلة التقى الجمعان في صبحيتها ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من شهر رمضان، وهو الصحيح عند أهل المغازي والسير.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٦٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٦٦٨