تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان

[آل عمران: 155]، إلى قوله:

ولقد عفا الله عنهم

[آل عمران: 155]، ثم كان يوم حنين بعد ذلك بسبع سنين، قال:

ثم وليتم مدبرين... ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشآء

[التوبة: 25-27]. وعن أبي سعيد أنه قال في هذه الآية: ﴿ ومن يولهم يومئذ دبره ﴾ إنما أنزلت في أهل بدر، وهذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حراما على غير أهل بدر وإن كان سبب نزول الآية فيهم كما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم من أن الفرار من الزحف من الموبقات كما هو مذهب الجماهير، والله أعلم.

8.17-18

يبين تعالى أنه خالق أفعال العباد، وأنه المحمود على جميع ما صدر منهم من خير، لأنه هو الذي وفقهم لذلك وأعانهم عليه، ولهذا قال: ﴿ فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ﴾ أي ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعداءكم، مع كثرة عددهم وقلة عددكم، بل هو الذي أظفركم عليهم كما قال:

ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة

[آل عمران: 123] الآية، وقال تعالى:

لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا

[التوبة: 25] يعلم تبارك وتعالى أن النصر ليس بكثرة العدد والعدد، وإنما النصر من عنده تعالى، كما قال تعالى:

كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين

[البقرة: 249]، ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أيضا في شأن القبضة من التراب التي حصب بها وجوه الكافرين يوم بدر ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ أي هو الذي بلغ ذلك إليهم وكبتهم بها لا أنت، قال ابن عباس:

" رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يعني يوم بدر فقال: " يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا " فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب فارم بها في وجوههم، فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين "

وقال محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي:

" لما دنا القوم بعضهم من بعض أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم وقال: " شاهت الوجوه " ، فدخلت في أعينهم كلهم "

، وأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتلونهم ويأسرونهم وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾. وقال عروة بن الزبير في قوله: ﴿ وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ﴾ أي ليعرف المؤمنين نعمته عليهم، من إظهارهم على عدوهم مع كثرة عدوهم وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقه، ويشكروا بذلك نعمته، ﴿ إن الله سميع عليم ﴾ أي سميع الدعاء ﴿ عليم ﴾ بمن يستحق النصر والغلب، وقوله: ﴿ ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين ﴾ هذه بشارة أخرى مع ما حصل من النصر أنه أعلمهم تعالى بأنه مضعف كيد الكافرين، فيما يستقبل مصغر أمرهم، وأنهم كل ما لهم في تبار ودمار.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٦٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٦٥٥