" " إن أهل عليين ليراهم من أسفل منهم كما ترون الكوكب الغائر في أفق من آفاق السماء " قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا ينالها غيرهم؟ فقال: " بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين "
، وفي الحديث الآخر:
" إن أهل الجنة ليتراءون أهل الدرجات العلى كما تراءون الكوكب الغائر في أفق السماء؛ وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما ".
8.5-8
قال الطبري: اختلف المفسرون في السبب الجالب لهذه الكاف في قوله: ﴿ كمآ أخرجك ربك ﴾ فقال بعضهم شبه به في الصلاح للمؤمنين؛ والمعنى:أن الله تعالى يقول: كما أنكم لما اختلفتم في المغانم وتشاححتم فيها، فانتزعها الله منكم، فكان هذه هو المصلحة التامة لكم، كذلك لما كرهتم الخروج إلى الأعداء وهم النفير الذين خرجوا لإحراز عيرهم، فكان عاقبة كراهتكم للقتال بأن قدره لكم على غير ميعاد رشدا وهدى، ونصرا وفتحا، كما قال تعالى:
كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم
[البقرة: 216]، وقال آخرون: معنى ذلك ﴿ كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق ﴾ على كره من فريق من المؤمنين، كذلك هم كارهون للقتال، فهم يجادلونك فيه بعدما تبين لهم، قال مجاهد: ﴿ كمآ أخرجك ربك ﴾ كذلك يجادلونك في الحق. وقال بعضهم: يسألونك عن الأنفال مجادلة كما جادلوك يوم بدر، فقالوا: أخرجتنا للعير ولم تعلمنا قتالا فنستعد له. قلت: رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما خرج من المدينة طالبا لعير أبي سفيان التي بلغه خبرها أنها صادرة من الشام فيها أموال جزيلة لقريش، فاستنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين، فخرج في ثلثمائة وبضعة عشر رجلا وجمع الله بين المسلمين والكافرين على غير ميعاد، لما يريد الله تعالى من إعلاء كلمة المسلمين ونصرهم على عدوهم والتفرقة بين الحق والباطل، والغرض أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه خروج النفير أوحى الله إليه، يعده إحدى الطائفتين إما العير وإما النفير، ورغب كثير من المسلمين إلى العير، لأنه كسب بلا قتال، كما قال تعالى: ﴿ وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ﴾.
روى ابن أبي حاتم قال:
" خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، حتى إذا كان بالروحاء خطب الناس فقال: " كيف ترون "؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله بلغنا أنهم بمكان كذا وكذا، قال: ثم خطب الناس فقال: " كيف ترون "؟ فقال عمر: مثل قول أبي بكر، ثم خطب الناس فقال: " كيف ترون "؟ فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله إيانا تريد؟ فوالذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب ما سلكتها قط ولا لي بها علم، ولئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن لنسيرن معك، ولا نكون كالذين قالوا لموسى: ﴿ فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ﴾ ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، ولعلك أن تكون خرجت لأمر، وأحدث الله إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك فامض له، فصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، فنزل القرآن على قول سعد: ﴿ كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون ﴾ "
الآيات، وقال ابن عباس: لما شاور النبي صلى الله عليه وسلم في لقاء العدو، وقال له سعد بن عبادة ما قال، وذلك يوم بدر أمر الناس أن يتهيأوا للقتال وأمرهم بالشوكة، فكره ذلك أهل الإيمان، فأنزل الله: ﴿ كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون ﴾ ، وقال مجاهد: يجادلونك في الحق: في القتال للقاء المشركين. عن عكرمة عن ابن عباس قال، قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر: عليك بالعير ليس دونها شيء، فناداه العباس بن عبد المطلب وهو أسير في وثاقه: إنه لا يصلح لك، قال: ولم؟ قال: لأن الله عز وجل إنما وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك الله ما وعدك. ومعنى قوله تعالى: ﴿ وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ﴾ أي يحبون أن الطائفة التي لا منعة ولا قتال تكون لهم وهي العير، ﴿ ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ﴾ أي هو يريد أن يجمع بينكم وبين الطائفة التي لها الشوكة والقتال ليظفركم بهم وينصركم عليهم، ويظهر دينه، ويرفع كلمة الإسلام، ويجعله غالبا على الأديان، وهو أعلم بعواقب الأمور، وهو الذي يدبركم بحسن تدبيره، وإن كان العباد يحبون خلاف ذلك فيما يظهر لهم.