تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8.26

ينبه تعالى عباده المؤمنين على نعمه عليهم وإحسانه إليهم، حيث كانوا قليلين فكثرهم، ومستضعفين خائفين فقواهم ونصرهم، وفقراء عالة فرزقهم من الطيبات، وهذا كان حال المؤمنين حال مقامهم بمكة، قليلين مستخفين مضطهدين، يخافون أن يتخطفهم الناس من سائر بلاد الله، لقلتهم وعدم قوتهم، فلم يزل ذلك دأبهم حتى أذن الله لهم في الهجرة إلى المدينة فآواهم إليها، وقيض لهم أهلها آووا ونصروا وواسوا بأموالهم، وبذلوا مهجهم في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال قتادة: كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا، وأشقاه عيشا، وأجوعه بطونا، وأعراه جلودا، وأبينه ضلالا، من عاش منهم عاش شقيا، ومن مات منهم ردي في النار، يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منزلا منهم، حتى جاء الله بالإسلام فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلهم به ملوكا على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا الله على نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله.

8.27-28

" أنزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة لينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستشاروه في ذلك، فأشار عليهم بذلك، وأشار بيده إلى حلقه أي إنه الذبح، ثم فطن أبو لبابة، ورأى أنه قد خان الله ورسوله، فحلف لا يذوق ذواقا حتى يموت أو يتوب الله عليه، وانطلق إلى مسجد المدينة، فربط نفسه في سارية منه، فمكث كذلك تسعة أيام، حتى كان يخر مغشيا عليه من الجهد، حتى أنزل الله توبته على رسوله، فجاء الناس يبشرونه بتوبة الله عليه، وأرادوا أن يحلوه من السارية، فحلف لا يحله منها إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فحله، فقال: يا رسول الله إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة، فقال: " يجزيك الثلث أن تصدق به "

وقال ابن جرير: نزلت هذه الآية في قتل عثمان رضي الله عنه ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول ﴾ الآية. وفي " الصحيحين "

" قصة (حاطب بن أبي بلتعة) أنه كتب إلى قريش يعلمهم بقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم عام الفتح، فأطلع الله رسوله على ذلك، فبعث في إثر الكتاب فاسترجعه، واستحضر حاطبا فأقر بما صنع، وفيها فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه فإنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين؟ فقال: " دعه فإنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: " اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم "

، والصحيح أن الآية عامة، وإن صح أنها وردت على سبيل خاص، فالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء والخيانة تعم الذنوب الصغار والكبار اللازمة والمتعدية، وقال ابن عباس: ﴿ وتخونوا أماناتكم ﴾: الأمانة الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد يعني الفريضة، يقول: لا تخونوا لا تنقضوها، وقال في رواية: لا تخونوا الله والرسول يقول: بترك سنته وارتكاب معصيته.

وقال السدي: إذا خانوا الله ورسوله فقد خانوا أماناتهم. وقال أيضا: كانوا يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم الحديث فيفشونه حتى يبلغ المشركين، وقال ابن زيد: نهاكم أن تخونوا الله والرسول كما صنع المنافقون، وقوله: ﴿ واعلموا أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ أي اختبار وامتحان منه لكم إذ أعطاكموها ليعلم أتشكرونه عليها وتطيعونه فيها أو تشتغلون بها عنه وتعتاضون بها منه كما قال تعالى: ﴿ أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم ﴾ ، وقال:

ونبلوكم بالشر والخير فتنة

[الأنبياء: 35]، وقال تعالى:

يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله

[المنافقون: 9]، وقوله: ﴿ وأن الله عنده أجر عظيم ﴾ أي ثوابه وعطاؤه وجناته خير لكم من الأموال والأولاد، فإنه قد يوجد منهم عدو، وأكثرهم لا يغني عنك شيئا، والله سبحانه هو المتصرف المالك للدنيا والآخرة، ولديه الثواب الجزيل يوم القيامة، وفي الأثر يقول الله تعالى: يا ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء، وفي " الصحيح " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٦٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٦٦٠