تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

، فأنزل الله تعالى: ﴿ يسألونك عن الأنفال... ﴾ إلى قوله ﴿ وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ﴾ ، وقال الإمام القاسم بن سلام رحمه الله في كتاب (الأموال الشرعية): أما الأنفال فهي المغانم، وكل نيل ناله المسلمون من أموال أهل الحرب، فكانت الأنفال الأولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى: ﴿ يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ﴾ فقسمها يوم بدر على ما أراه الله من غير أن يخمسها، ثم نزلت بعد ذلك آية الخمس فنسخت الأولى، قلت: هكذا روي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد وعكرمة والسدي، وقال ابن زيد: ليست منسوخة بل هي محكمة، والأنفال أصلها جماع الغنائم إلا أن الخمس منها مخصوص لأهله على ما نزل به الكتاب وجرت به السنة. ومعنى الأنفال في كلام العرب: كل إحسان فعله فاعل تفضلا من غير أن يجب ذلك عليه، فذلك النفل الذي أحله الله للمؤمنين من أموال عدوهم، وإنما هو شيء خصهم الله به تفضلا منه عليهم، بعد أن كانت الغنائم محرمة على الأمم قبلهم، فنفلها الله تعالى هذه الأمة فهذا أصل النفل.

وشاهد هذا ما في " الصحيحين "

" وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي "

وذكر تمام الحديث.

وقوله تعالى: ﴿ فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ﴾ أي اتقوا الله في أموركم وأصلحوا فيما بينكم ولا تظالموا ولا تخاصموا ولا تشاجروا، فما آتاكم الله من الهدى والعلم خير مما تختصمون بسببه، ﴿ وأطيعوا الله ورسوله ﴾ أي في قسمه بينكم على ما أراده الله، فإنه إنما يقسمه كما أمره الله من العدل والإنصاف، وقال ابن عباس: هذا تحريج من الله ورسوله أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم، وقال السدي ﴿ وأصلحوا ذات بينكم ﴾ أي لا تستبوا، ولنذكر ههنا حديثا أورده الحافظ أبو يعلى الموصلي رحمه الله في " مسنده " عن أنس رضي الله عنه قال:

" بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، فقال عمر: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ فقال: " رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة تبارك وتعالى، فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي، قال الله تعالى: أعط أخاك مظلمته، قال: يا رب لم يبق من حسناتي شيء، قال: رب فليحمل عني من أوزاري " ، قال: ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء، ثم قال: " إن ذلك ليوم عظيم، يوم يحتاج الناس إلى من يتحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله تعالى للطالب: ارفع بصرك وانظر في الجنان فرفع رأسه فقال: يا رب أرى مدائن من فضة وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ، لأي نبي هذا؟ لأي صديق هذا؟ لأي شهيد هذا؟ قال: هذا لمن أعطى ثمنه؟ قال: رب ومن يملك ثمنه؟ قال: أنت تملكه، قال: ماذا يا رب؟ قال تعفو عن أخيك، قال: يا رب فإني قد عفوت عنه. قال الله تعالى: خذ بيد أخيك فادخلا الجنة " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ﴾ ، فإن الله تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة ".

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٦٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٦٤٦