وقوله: ﴿ وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ﴾ أي كنت أشهد على أعمالهم حين كنت بين أظهرهم، ﴿ فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد ﴾.
قال أبو داود الطيالسي عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال:
" أيها الناس إنكم محشورون إلى الله عز وجل حفاة عراة غرلا ﴿ كما بدأنآ أول خلق نعيده ﴾ ، وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿ وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد * إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ﴾ فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ".
وقوله تعالى: ﴿ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ﴾ هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى الله عز وجل، فإنه الفعال لما يشاء الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ويتضمن التبري من النصارى الذين كذبوا على الله وعلى رسوله، وجعلوا لله ندا وصاحبة وولدا، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وهذه الآية لها شأن عظيم ونبأ عجيب، وقد ورد في الحديث
" أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بها ليلة حتى الصباح يرددها، قال الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها ﴿ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ﴾ فلما أصبح، قلت: يا رسول الله ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها؟ قال: " إني سألت ربي عز وجل الشفاعة لأمتي فأعطانيها وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئا "
وقال ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو بن العاص
" أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول عيسى ﴿ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ﴾ فرفع يديه فقال: " اللهم أمتي " وبكى، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فاسأله ما يبكيه! فأتاه جبريل فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك. وقال الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان قال غاب عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فلم يخرج، حتى ظننا أن لن يخرج، فلما خرج سجد سجدة، ظننا أن نفسه قد قبضت فيها، فلما رفع رأسه قال: " إن ربي عز وجل استشارني في أمتي ماذا أفعل بهم؟ فقلت: ما شئت يا رب هم خلقك وعبادك فاستشارني الثانية فقلت له كذلك، فقال لي: لا أخزيك في أمتك يا محمد، وبشرني أن أول من يدخل الجنة من أمتي معي سبعون ألفا مع كل ألف سبعون ألفا ليس عليهم حساب، ثم أرسل إلي فقال: ادع تجب وسل تعط، فقلت لرسوله: أو معطي ربي سؤلي؟ فقال: ما أرسلني إليك إلا ليعطيك، ولقد أعطاني ربي - ولا فخر - وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر. وأنا أمشي حيا صحيحا، وأعطاني أن لا تجوع أمتي ولا تغلب، وأعطاني الكوثر وهو نهر في الجنة يسيل في حوضي. وأعطاني العز، والنضر، والرعب يسعى بين يدي أمتي شهرا، وأعطاني أني أول الأنبياء يدخل الجنة، وطيب لي ولأمتي الغنيمة، وأحل لنا كثيرا مما شدد على من قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج. "