حرمت عليكم الميتة
[المائدة: 3]، وقد ورد حديث بنحو ذلك. فقال ابن مردويه عن جابر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ما صدتموه وهو حي فمات فكلوه وما ألقى البحر ميتا طافيا فلا تأكلوه ".
وقد احتج الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل بحديث العنبر المتقدم ذكره، وبحديث:
" هو الطهور ماؤه الحل ميتته "
، وقد تقدم أيضا. وروى الإمام الشافعي عن ابن عمر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال "
، وقوله: ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ﴾ أي في حال إحرامكم يحرم عليكم الاصطياد، ففيه دلالة على تحريم ذلك، فإذا اصطاد المحرم الصيد متعمدا أثم وغرم، أو مخطئا غرم وحرم عليه أكله لأنه في حقه كالميتة، وكذا في حق غيره من المحرمين والمحلين عند مالك والشافعي في أحد قوليه. فإن أكله أو شيئا منه فهل يلزمه جزاء ثان؟ فيه قولان للعلماء (أحدهما): نعم وإليه ذهب طائفة. (والثاني): لا جزاء عليه في أكله، نص عليه مالك بن أنس.
قال أبو عمر بن عبد البر: وعلى هذا مذاهب فقهاء الأمصار وجمهور العلماء، وقال أبو حنيفة: عليه قيمة ما أكل. وأما إذا صاد حلال صيدا فأهداه إلى محرم، فقد ذهب ذاهبون إلى إباحته مطلقا، ولم يستفصلوا بين أن يكون قد صاده من أجله أم لا، وبه قال الكوفيون، قال ابن جرير عن أبي هريرة: أنه سئل عن لحم صيد صاده حلال أيأكله المحرم؟ قال: فأفتاهم بأكله، ثم لقي عمر بن الخطاب فأخبره بما كان من أمره، فقال: لو أفتيتهم بغير هذا لأوجعت لك رأسك. وقال آخرون: لا يجوز أكل الصيد للمحرم بالكلية، ومنعوا من ذلك مطلقا لعموم هذه الآية الكريمة.
روي عن ابن عباس: أنه كره أكل الصيد للمحرم، وقال: هي مبهمة، يعني قوله: ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ﴾. وعن ابن عمر أنه كان يكره للمحرم أن يأكل من لحم الصيد على كل حال. وقد روي أن عليا كره أكل لحم الصيد للمحرم على كل حال. وقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل والجمهور: إن كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصيد لم يجز للمحرم أكله، لحديث الصعب بن جثامة
" أنه أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا، وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: " إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم "
قالوا: فوجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم ظن أن هذا إنما صاده من أجله فرده لذلك، فأما إذا لم يقصده بالاصطياد، فإنه يجوز له الأكل منه، لحديث أبي قتادة
" حين صاد حمار وحش وكان حلالا لم يحرم وكان أصحابه محرمين. فتوقفوا في أكله، ثم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " هل كان منكم أحد أشار إليها أو أعان في قتلها "؟ قالوا: لا، قال: " فكلوا " ، وأكل منها رسول الله صلى الله عليه وسلم "
، وهذه القصة ثابتة أيضا في الصحيحين بألفاظ كثيرة.