تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[النحل: 36] الآية، وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي، فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حراما، ثم يحل في الشريعة الأخرى، وبالعكس، وخفيفا فيزاد في الشدة في هذه دون هذه، وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، قال قتادة قوله: ﴿ شرعة ومنهاجا ﴾ يقول: سبيلا وسنة، والسنن مختلفة هي في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة وفي الفرقان شريعة. يحل الله فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، والدين الذي لا يقبل الله غيره التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، ﴿ ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة ﴾ هذا خطاب لجميع الأمم وإخبار عن قدرته تعالى العظيمة التي لو شاء لجمع الناس كلهم على دين واحد وشريعة واحدة لا ينسخ شيء منها. ولكنه تعالى شرع لكل رسول شريعة على حدة، ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده، حتى نسخ الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم الذي ابتعثه إلى أهل الأرض قاطبة وجعله خاتم الأنبياء كلهم، ولهذا قال تعالى: ﴿ ولكن ليبلوكم في مآ آتاكم ﴾ أي أنه تعالى شرع الشرائع مختلفة ليختبر عباده فيما شرع لهم ويثيبهم أو يعاقبهم على طاعته ومعصيته بما فعلوه أو عزموا عليه من ذلك كله ﴿ في مآ آتاكم ﴾ يعني من الكتاب، ثم إنه تعالى ندبهم إلى المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إليها فقال: ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ وهي طاعة الله واتباع شرعه الذي جعله ناسخا لما قبله والتصديق بكتابه القرآن الذي هو آخر كتاب أنزله، ثم قال تعالى: ﴿ إلى الله مرجعكم ﴾ أي معادكم أيها الناس ومصيركم إليه يوم القيامة ﴿ فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ﴾ أي فيخبركم بما اختلفتم فيه من الحق فيجزي الصادقين بصدقهم، ويعذب الكافرين الجاحدين المكذبين بالحق العادلين عنه بلا دليل ولا برهان.

وقوله تعالى: ﴿ وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع أهوآءهم ﴾ تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك والنهي عن خلافه. ثم قال: ﴿ واحذرهم أن يفتنوك عن بعض مآ أنزل الله إليك ﴾ أي واحذر أعداءك اليهود أن يدلسوا عليك الحق فيما ينهونه إليك من الأمور، فلا تغتر بهم فإنهم كذبة كفرة خونة، ﴿ فإن تولوا ﴾ أي عما تحكم به بينهم من الحق وخالفوا شرع الله ﴿ فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ﴾ ، أي فاعلم أن ذلك كائن عن قدرة الله وحكمته فيهم أن يصرفهم عن الهدى لما لهم من الذنوب السالفة التي اقتضت إضلالهم ونكالهم، ﴿ وإن كثيرا من الناس لفاسقون ﴾ أي إن أكثر الناس لخارجون عن طاعة ربهم مخالفون للحق ناكبون عنه، كما قال تعالى:

ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين

[يوسف: 103] وقال تعالى:

وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله

[الأنعام: 116] الآية. وقال محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال: قال كعب بن أسد، وعبد الله بن صوريا، وشاس بن قيس، بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وإنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿ وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع أهوآءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض مآ أنزل الله إليك ﴾ إلى قوله: ﴿ لقوم يوقنون ﴾. رواه ابن جرير.

وقوله تعالى: ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ﴾ ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجل بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير. قال تعالى: ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ أي يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون ﴿ ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ﴾ أي ومن أعدل من الله في حكمه، لمن عقل عن الله شرعه وآمن به وأيقن، وعلم أن الله أحكم الحاكمين وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، عن الحسن قال: من حكم بغير حكم الله فحكم الجاهلية، وكان طاووس إذا سأله رجل: أفضل بين ولدي في النحل؟ قرأ: ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ الآية، وقال الحافظ الطبراني عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٤٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٤٥٦