يد بخمس مئين عسجد وديت
ما بالها قطعت في ربع دينار؟
تناقض مالنا إلا السكوت له
وأن نعوذ بمولانا من النار
ولما قال ذلك واشتهر عنه تطلبه الفقهاء فهرب منهم، وقد أجابه الناس في ذلك، فكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي رحمه الله أن قال: لما كانت أمينة كانت ثمينة، ولما خانت هانت، ومنهم من قال: هذا من تمام الحكمة والمصلحة وأسرار الشريعة العظيمة، فإن في باب الجنايات ناسب أن تعظم قيمة اليد بخمسمائة دينار لئلا يجنى عليها، وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدر الذي تقطع فيه ربع دينار لئلا يسارع الناس في سرقة الأموال، فهذا هو عين الحكمة عند ذوي الألباب، ولهذا قال: ﴿ جزآء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم ﴾ أي مجازاة على صنيعها السيء في أخذهما أموال الناس بأيديهم فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك ﴿ نكالا من الله ﴾ أي تنكيلا من الله بهما على ارتكاب ذلك، ﴿ والله عزيز ﴾ أي في انتقامه، ﴿ حكيم ﴾ أي في أمره ونهيه وشرعه وقدره.
ثم قال تعالى: ﴿ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ﴾ أي من تاب بعد سرقته وأناب إلى الله، فإن الله يتوب عليه فيما بينه وبينه، فأما أموال الناس فلا بد من ردها إليهم أو بدلها عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: متى قطع، وقد تلفت في يده فإنه لا يرد بدلها.
وقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو:
" أن امرأة سرقت على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فجاء بها الذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول الله إن هذه المرأة سرقتنا، قال قومها: فنحن نفديها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اقطعوا يدها " ، فقالوا: نحن نفديها بخمسمائة دينار، فقال: " اقطعوا يدها " ، فقطعت يدها اليمنى، فقالت المرأة: هل لي من توبة يا رسول الله؟ قال: " نعم أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك "
، فأنزل الله في سورة المائدة: ﴿ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ﴾ ، وهذه المرأة هي المخزومية التي سرقت، وحديثها ثابت في الصحيحين. وعن ابن عمر قال: كانت امرأة مخزومية تستعير متاعا على ألسنة جارتها وتجحده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها. رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي. وقد ورد في أحكام السرقة أحاديث كثيرة مذكورة في كتاب الأحكام، ولله الحمد والمنة. ثم قال تعالى: ﴿ ألم تعلم أن الله له ملك السموت والأرض ﴾ أي هو المالك لجميع ذلك الحاكم فيه الذي لا معقب لحكمه وهو الفعال لما يريد، ﴿ يعذب من يشآء ويغفر لمن يشآء والله على كل شيء قدير ﴾.