تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثانية فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر ".

(الجواب الثاني): جواب من ذهب إلى أن الأمة إذا زنت ولم تحصن فلا حد عليها، وإنما تضرب تأديبا وهو المحكي عن ابن عباس رضي الله عنه، وإليه ذهب طاووس وسعيد بن جبير وغيرهما. وعمدتهم مفهوم الآية، وهو من مفاهيم الشرط، وهو حجة عند أكثرهم فقدم على العموم عندهم وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال:

" إن زنت فحدوها، ثم إن زنت فاجلدوها. ثم بيعوها ولو بضفير "

قال ابن شهاب: لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة. أخرجاه في الصحيحين. وعن مسلم قال ابن شهاب: الضفير: " الحبل " ، قالوا: فلم يؤقت فيه عدد كما أقت في المحصنة، وكما وقت في القرآن بنصف ما على المحصنات، فوجب الجمع بين الآية والحديث بذلك والله أعلم. قال أبو عبد الله الشافعي رحمه الله: ولم يختلف المسلمون في أن لا رجم على مملوك في الزنا؛ وذلك لأن الآية دلت على أن عليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، والألف واللام في المحصنات للعهد، وهن المحصنات المذكورات في أول الآية: ﴿ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات ﴾ والمراد بهن الحرائر فقط من غير تعرض للتزويج بحرة. وقوله: ﴿ نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾ يدل على أن المراد من العذاب الذي يمكن تبعيضه وهو الجلد لا الرجم، والله أعلم.

وقوله تعالى: ﴿ ذلك لمن خشي العنت منكم ﴾ أي إنما يباح نكاح الإماء بالشروط المتقدمة لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنا، وشق عليها لصبر عن الجماع، فله حينئذ أن يتزوج بالأمة، وإن ترك تزوجها وجاهد نفسه في الكف عن الزنا فهو خير له، لأنه إذا تزوجها جاء أولاده أرقاء لسيدها، إلا أن يكون الزوج غريبا فلا تكون أولاده منها أرقاء في قول قديم للشافعي، ولهذا قال: ﴿ وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم ﴾. ومن هذه الآية الكريمة استدل جمهور العلماء في جواز نكاح الإماء على أنه لا بد من عدم الطول لنكاح الحرائر، ومن خوف العنت، لما في نكاحهن من مفسدة رق الأولاد، ولما فيهن من الدناءة في العدول عن الحرائر إليهن، وخالف الجمهور أبو حنيفة وأصحابه في اشتراط الأمرين فقالوا: متى لم يكن الرجل مزوجا بحرة جاز له نكاح الأمة المؤمنة والكتابية أيضا، سواء كان واجدا لطول حرة أم لا، وسواء خاف العنت أم لا، وعمدتهم فيما ذهبوا إليه قوله تعالى:

والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم

[المائدة: 5] أي العفائف وهو يعم الحرائر والإماء، وهذه الآية عامة وهذه أيضا ظاهرة في الدلالة على ما قاله الجمهور، والله أعلم.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٣٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٣٢٤