وفي رواية للبخاري:
" إني لو لم أتزوج أم سلمة ما حلت لي "
فجعل المناط في التحريم مجرد تزوجه أم سلمة وحكم بالتحريم بذلك، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة وجمهور الخلف والسلف، وقد قيل بأنه لا تحرم الربيبة إلا إذا كانت في حجر الرجل فإذا لم تكن كذلك فلا تحرم وهو قول غريب جدا، وإلى هذا ذهب داود الظاهري وأصحابه، واختاره ابن حزم، وحكى لي شيخنا الحافظ الذهبي أنه عرض هذا على الشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله فاستشكله وتوقف في ذلك والله أعلم؛ وأما الربيبة في ملك اليمين فقد قال الإمام مالك بن أنس: أن عمر بن الخطاب سئل عن المرأة وبنتها من ملك اليمين توطأ إحداهما بعد الأخرى فقال عمر: ما أحب أن أجيزهما جميعا: يريد أن أطأهما جميعا بملك يميني، وعن طارق بن عبد الرحمن عن قيس قال: قلت لابن عباس: أيقع الرجل على مرأة وابنتها مملوكين له؟ فقال أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله، وقال الشيخ ابن عبد البر رحمه الله: لا خلاف بين العلماء أنه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة وبنتها من ملك اليمين لأن الله حرم ذلك في النكاح، قال: ﴿ وأمهات نسآئكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسآئكم ﴾ ، وملك اليمين عندهم تبع للنكاح إلا ما روي عن عمر وابن عباس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم، وروى هشام عن قتادة: بنت الربيبة وبنت ابنتها لا تصلح وإن كانت أسفل ببطون كثيرة، ومعنى قوله: ﴿ اللاتي دخلتم بهن ﴾ أي نكحتموهن قاله ابن عباس وغير واحد، وقال ابن جرير: وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأة لا تحرم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها، وقبل النظر إلى فرجها بشهوة ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع.
وقوله تعالى: ﴿ وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ﴾ أي وحرمت عليكم زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم، يحترز بذلك عن الأدعياء الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية. قال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله: ﴿ وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ﴾ قال: كنا نحدث - والله أعلم - أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نكح امرأة زيد قال المشركون بمكة في ذلك فأنزل الله عز وجل: ﴿ وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ﴾ ، ونزلت:
وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم
[الأحزاب: 4]، ونزلت:
ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم
[الأحزاب: 40].
وقوله تعالى: ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ﴾ الآية، أي وحرم عليكم الجمع بين الأختين معا في التزويج وكذا في ملك اليمين، إلا ما كان منكم في جاهليتكم فقد عفونا عنه وغفرناه، فدل على أنه لا مثنوية فيما يستقبل لأنه استثنى مما سلف، كما قال:
لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى
[الدخان: 56] فدل على أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدا، وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديما وحديثا، على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح، ومن أسلم وتحته أختان خير فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة، قال الإمام أحمد: عن الضحاك بن فيروز عن أبيه قال: أسلمت وعندي امرأتان أختان فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أطلق إحداهما، وفي لفظ للترمذي: فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" اختر أيتهما شئت "
وعن أبي خراش الرعيني قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي أختان تزوجتهما في الجاهلية فقال:
" إذا رجعت فطلق إحداهما "
وأما الجمع بين الأختين في ملك اليمين فحرام أيضا لعموم الآية، وروي ابن أبي حاتم عن ابن مسعود أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين فكرهه، فقال له - يعني السائل - يقول الله تعالى: ﴿ إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ ، فقال له ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: وبعيرك مما ملكت يمينك، وهذا هو المشهور عن الجمهور والأئمة الأربعة وغيرهم، وإن كان بعض السلف قد توقف في ذلك، وقال الإمام مالك: سأل رجل (عثمان بن عفان) عن الأختين في ملك اليمين هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان: أحلتهما آية وحرمتهما آية، وما كنت لأمنع ذلك، فخرج من عنده فلقي رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك، فقال: لو كان لي من الأمر شيء ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا، وقال مالك قال ابن شهاب: أراه علي بن أبي طالب.