تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

33.70-71

يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بتقواه، وأن يعبدوه عبادة من كأنه يراه، وأن يقولوا ﴿ قولا سديدا ﴾ أي مستقيما لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ووعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك أثابهم عليه، بأن يصلح لهم أعمالهم أن يوفقهم للأعمال الصالحة، وأن يغفر لهم الذنوب الماضية، ثم قال تعالى: ﴿ ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ﴾ وذلك أنه يجار من نار الجحيم، ويصير إلى النعيم المقيم، عن أبي موسى الأشعري قال:

" صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر فلما انصرف أومأ إلينا بيده فجلسنا فقال: " إن الله تعالى أمرني أن آمركم أن تتقوا الله وتقولوا قولا سديدا " ثم أتى النساء فقال: " إن الله أمرني أن آمركن أن تتقين الله وتقلن قولا سديدا " "

وعن ابن عباس موقوفا: " من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله " ، قال عكرمة: القول السديد لا إله إلا الله، وقال غيره: السديد الصدق، وقال مجاهد: هو السداد، وقال غيره: هو الصواب، والكل حق.

33.72-73

قال ابن عباس: يعني بالأمانة (الطاعة) عرضها عليهم قبل أن يعرضها على آدم فلم يطقنها، فقال لآدم: إني قد عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها، فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، فأخذها آدم فحملها، فذلك قوله تعالى: ﴿ وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ﴾ وعنه الأمانة (الفرائض) عرضها الله على السماوات والأرض والجبال إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم فكرهوا ذلك وأشفقوا عليه من غير معصية، ولكن تعظيما لدين الله أن لا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها، وهو قوله تعالى: ﴿ وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ﴾ يعني غرا بأمر الله. وهكذا قال مجاهد والضحاك والحسن البصري: إن الأمانة هي الفرائض، وقال آخرون: هي الطاعة، وقال أبي بن كعب من الأمانة أن المرأة اؤتمنت على فرجها، وقال قتادة: الأمانة الدين والفرائض والحدود، وقال زيد بن أسلم: الأمانة ثلاثة الصلاة والصوم والاغتسال من الجنابة؛ وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها، وبل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عوقب، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه، إلا من وفق الله وبالله المستعان. عن الحسن البصري أنه تلا هذه الآية. ﴿ إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض والجبال ﴾ قال: عرضها على السبع الطباق الطرائق التي زينت بالنجوم، وحملة العرش العظيم، فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، قالت: لا، ثم عرضها على الأرضين السبع الشداد التي شدت بالأوتاد، وذللت بالمهاد، قال فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال، قيل لها: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت، قالت: لا، ثم عرضها على الجبال الشم الشوامخ الصعاب الصلاب، قال، قيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال لها: إن أحسنت جزيت وأن أسأت عوقبت، قالت: لا. وقال مقاتل بن حيان: إن الله تعالى حين خلق خلقه جمع بين الإنس والجن والسماوات والأرض والجبال، فبدأ بالسماوات فعرض عليهن الأمانة وهي الطاعة، فقال لهن أتحملن هذه الأمانة ولكن علي الفضل والكرامة والثواب في الجنة؟ فقلن: يا رب إنا لا نستطيع هذا الأمر، وليس بنا قوة ولكنا لك مطيعون، ثم عرض الأمانة على الأرضين فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة وتقبلنها مني وأعطيكن الفضل والكرامة في الدنيا؟ فقلن: لا صبر لنا على هذا يا رب ولا نطيق ولكنا لك سامعون مطيعون لا نعصيك في شيء أمرتنا به، ثم قرب آدم فقال له: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها؟ فقال عند ذلك آدم: ما لي عندك؟ قال: يا آدم إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة فلك عندي الكرامة والفضل وحسن الثواب في الجنة، وإن عصيت ولم ترعها حق رعايتها وأسأت فإني معذبك ومعاقبك وأنزلك النار، قال: رضيت يا رب، وتحملها فقال الله عز وجل عند ذلك: قد حملتكها فذلك قوله تعالى: ﴿ وحملها الإنسان ﴾.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١٣٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١٣٩٠