وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم
[الأحزاب: 4] زاد ذلك بيانا وتأكيدا بوقوع تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش رضي الله عنها لما طلقها زيد بن حارثة، ولهذا قال تعالى في آية التحريم
وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم
[النساء: 23] ليحترز من الابن الدعي، فإن ذلك كان كثيرا فيهم، وقوله تعالى: ﴿ وكان أمر الله مفعولا ﴾ أي وكان هذا الأمر الذي وقع قد قدره الله تعالى وحتمه، وهو كائن لا محالة، كانت زينب رضي الله عنها في علم الله ستصير من أزواج النبي صلى الله عليه سلم.
33.38
يقول تعالى: ﴿ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له ﴾ أي فيما أحل له وأمره به من تزويج زينب رضي الله عنها التي طلقها دعيه زيد بن حارثة رضي الله عنه، وقوله تعالى: ﴿ سنة الله في الذين خلوا من قبل ﴾ أي هذا حكم الله تعالى في الأنبياء قبله لم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حرج، وهذا رد من توهم من المنافقين نقصا في تزويجه امرأة زيد مولاه ودعيه الذي كان قد تبناه، ﴿ وكان أمر الله قدرا مقدورا ﴾ أي وكان أمره الذي يقدره كائنا لا محالة، وواقعا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
33.39-40
يمدح تبارك وتعالى: ﴿ الذين يبلغون رسالات الله ﴾ أي إلى خلقه ويؤدونها بأماناتها ﴿ ويخشونه ﴾ أي يخافونه ولا يخافون أحدا سواه، فلا تمنعهم سطوة أحد عن إبلاغ رسالات الله تعالى ﴿ وكفى بالله حسيبا ﴾ أي وكفى الله ناصرا ومعينا، وسيد الناس في هذا المقام، بل وفي كل مقام (محمد) رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه قام بأداء الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب، ثم ورث مقام البلاغ عنه أمته من بعده، فكان أعلى من قام بها بعده أصحابه رضي الله عنهم، بلغوا عنه كما أمرهم به في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، في ليله ونهاره، وحضره وسفره، وسره وعلانيته، فرضي الله عنهم وأرضاهم، ثم ورثه كل خلف عن سلفهم إلى زماننا هذا، فبنورهم يقتدي المهتدون، وعلى منهجهم يسلك الموفقون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمر الله فيه مقال ثم لا يقوله، فيقول الله: ما يمنعك أن تقول منه، فيقول رب خشية الناس فيقول فأنا أحق أن يخشى "
وقوله تعالى: ﴿ ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم ﴾ نهى أن يقال بعد هذا (زيد بن محمد) أي لم يكن أباه وإن كان قد تبناه، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يعش له ولد ذكر حتى بلغ الحلم، فإنه صلى الله عليه وسلم ولد له القاسم والطيب والطاهر من خديجة رضي الله عنها فماتوا صغارا، وولد له صلى الله عليه وسلم إبراهيم من مارية القبطية، فمات أيضا رضيعا، وكان له صلى الله عليه وسلم من خديجة أربع بنات: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة رضي الله عنهم أجمعين، فمات في حياته صلى الله عليه وسلم ثلاث، وتأخرت فاطمة رضي الله عنها حتى أصيبت به صلى الله عليه وسلم ثم ماتت بعده لستة أشهر، وقوله تعالى: ﴿ ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما ﴾ فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بعده بالطريق الأولى والأحرى، لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة.
وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. روى الإمام أحمد عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" مثلي في النبيين كمثل رجل بنى دارا فأحسنها وأكملها وترك فيها موضع لبنة لم يضعها فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه ويقولون: لو تم موضع هذه اللبنة؟ فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة "
حديث آخر: روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" " إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي " قال فشق ذلك على الناس فقال: " ولكن المبشرات " قالوا: يا رسول الله وما المبشرات؟ قال: " رؤيا الرجل المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة " "