وقد بعث إلي في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه
أَنَا الْفَقِيرُ إِلَى رَبِّ الْبَرِيَّاتِ ... أَنَا الْمُسَيْكِينُ فِي مَجْمُوعِ حَالَاتِي
أَنَا الظَّلُومُ لِنَفْسِي وَهِيَ ظَالِمَتِي ... وَالْخَيْرُ إِنْ يَأْتِنَا مِنْ عِنْدِهِ يَاتِي
لَا أَسْتَطِيعُ لِنَفْسِي جَلْبَ مَنْفَعَةٍ ... وَلَا عَنِ النَّفْسِ لِي دَفْعُ الْمَضَرَّاتِ
وَلَيْسَ لِي دُونَهُ مَوْلًى يُدَبِّرُنِي ... وَلَا شَفِيعٌ إِذَا حَاطَتْ خَطِيئَاتِي
وَلَسْتُ أَمْلِكُ شَيْئًا دُونَهُ أَبَدًا ... وَلَا شَرِيكٌ أَنَا فِي بَعْضِ ذَرَّاتِ
وَلَا ظَهيْرٌ لَهُ كَيْ يَسْتَعِينَ بِهِ ... كَمَا يَكُونُ لِأَرْبَابِ الْوِلَايَاتِ
وَالْفَقْرُ لِي وَصْفُ ذَاتِ لَازِمٍ أَبَدًا ... كَمَا الْغِنَى أَبَدًا وَصْفٌ لَهُ ذَاتِي
وَهَذِهِ الْحَالُ حَالُ الْخَلْقِ أَجْمَعِهِمْ ... وَكُلُّهُمْ عِنْدَهُ عَبْدٌ لَهُ آتِي
فَمَنْ بَغَى مَطْلَبًا مِنْ غَيْرِ خَالِقِهِ ... فَهُوَ الْجَهُولُ الظَّلُومُ الْمُشْرِكُ الْعَاتِي
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِلْءَ الْكَوْنِ أَجْمَعِهِ ... مَا كَانَ مِنْهُ وَمَا مِنْ بَعْدُ قَدْ يَاتِي
مدارج السالكين 2/155-157
وكانَ رحمه الله يدني الْفَقِير الصَّالح ويكرمه, ويؤنسه ويباسطه بحَديثه المستحلى, زِيَادَةً على مثله من الأغنياء, حَتَّى إنه رُبمَا خدمه بِنَفسِهِ, وأعانه بِحمْل حَاجته؛ جبرًا لِقَلْبِهِ, وتقربًا بذلك إلى ربه.
وكانَ رحمه الله تعالى لَا يسأم مِمَّن يستفتيه, أَو يسْأَله, بل يُقْبل عَلَيْهِ ببشاشةِ وَجه, ولين عَرِيكَة, وَيقف مَعَه حَتَّى يكون هُوَ الَّذِي يُفَارِقهُ, كَبِيرًا كَانَ أَو صَغِيرًا, رجلاً أَو امْرَأَة, حرًّا أَو عبدًا, عَالِمًا أَو عاميًّا, وَلَا يَجْبَهْه[١١٧], وَلَا يُحْرِجْه, وَلَا ينفِّره بِكَلَامٍ يوحشه, بل يجِيبه, ويفهمه, ويعرفه الْخَطَأ من الصَّوَاب بلطفٍ وانبساط. الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية, للبزَّار ( 50).
[١١٧] أي: لم يستقبله بكلام فيه غِلَظ وجفاء.