فإن كل واحد منهما أخذ كفًا من تراب البطحاء ورفعه إلى جبهته وسجد عليه لأنهما كانا شيخين كبيرين لم يستطيعا السجود، وتفرقت قريش وقد سَرَّهُم ما سمعوا، وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا فأحسن الذكر. وقالوا: قد عرفنا أن الله يحي ويميت ويخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فإذا جعل معه لها محمد نصيبًا فنحن معه فلما أمسى رسول الله ﷺ أتاه جبريل فقال: ماذا صنعت تلوت على الناس مالم آتك به عن الله، وقلت مالم أقل لك! فحزن رسول ﷺ حزنًا شديدًا وخاف من الله خوفًا كثيرًا. فأنزل الله هذه الآية. فقالت قريش: ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتنا عند الله فازدادوا شرًا إلى ما كانوا عليه (١).
(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (١٦/ ٦٠٣)، وما بعدها. وانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٢٣٩، ٢٤٠)، معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٣٩٣)، زاد المسير (٥/ ٤٤١).
وقد أبطل العلماء المحققون قصة الغرانيق سندًا ومتنًا؛ أما سندًا فلأنها جاءت من روايات كلها ضعيفة واهية ولاتصح،
قال النحاس في الناسخ والمنسوخ (١/ ٦٧) " وهذا حديث منكر منقطع وفيه هذا الأمر العظيم ".
قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٣٩) "ولم أرها مسندة من وجه صحيح "، وقال ابن الجوزي في زاد المسير (٥/ ٤٤١) " قال العلماء المحققون: وهذا لايصح "، أما من جهة المتن فإنها معارضة لصريح القرآن، قال تعالى ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤، ٤٥، ٤٦]، وقال تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] وفيها إقرار من النبي ﷺ بالشرك، وحاشاه ذلك، وفيها قدحًا في عصمته ﷺ، وكل ذلك يدل على بطلان هذه القصة ومعارضتها للوحي الذي تكفل الله تعالى بحفظه من التحريف والتبديل.
أنظر: محاسن التأويل للقاسمي (١٢/ ٣٨)، فتح القدير للشوكاني (٣/ ٤٦٢)، أضواء البيان للشنقيطي (٥/ ٧٣٠)، نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق للألباني، ودلائل التحقيق لإبطال قصة الغرانيق لعلي بن حسن عبد الحميد