فضبطها أحسن ضبط . وكان شديد الهيبة مخوف السطوة كبير البطش ، قتل فى سلطنته من الخلق مالا يمكن حصيه ، وقتل من أكابر المصريين وقوادهم وكتابهم ووزرائهم خلقأ كثيرا . وعلى يده صلحت الديار المصرية بعد فسادها وعمرت بعد خرابها . ومات وقد ناهز الثمانين سنة وكان أرمنى الجنس مملوكا لجمال الدولة بن عمار فعرف ببدر الجمالى ، وتولى إمرة دمشق والبلاد الشامية ، وما زال يأخجذ نفسه بالجد فى زمن شبيبته ويوطن نفسه على قوة العزم فيما يرومه ، وتنقل فى الرتب العلية حتى انتهى إلى غايتها . وفى أيام إمارته بدمشق جرت الفتنة فاحترق قصر االمارة وجامع بنى أمية . ولمادخل مصر بعد الشدة كان آخر عكس المستنصر وابتداء سعادته انه قتل طوائف المفسدين والأجناد وأطلق الخراج للمزارعين ثلاث سنين حتى ترفعت أحوال الفلاحين واستغنوا فى أيامه ، وأحضر جماعة من التجار إلى مصر . وكانت أيامه بمصر إحدى وعشرين سنة.
قال علقمة بن عبد الرزاق العليمي : قصدت بدرا الجمالى فرأيت آشراف الناس وكبراءهم وشعراءهم على بابه قد طال مقامهم فلم يصلوا إليه ، فبينما أنا كذلك إذ خرج بدر يريد الصيد فخرجت فى إثره وأقمت معه حتى رجع من صيده ، فلما قاربنى وقفت على تلى من الرمل وأومأت برقعة فى يدى وأنشدت : [الكامل ] نحن التجار وهذه أعلاقنا در وجود يمينك المبتاع قلت ففتشها بسمعك إنما هي جوهر تختاره الأسماع كسدت علينا بالشام ، وكلما قل النفاق تعطل الصناع أتاك يحملها إليك تجارها ومطيها الآمال والأطماع حتى أناخوها ببابك ، والرجا من دونك السمسار والبياع فوهبت مالم يعطه في دهره هرم ولا كعب ولا القعقاع