تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الإسلام بنى الحياة المادية على أفضل ما تكون، وفتح أبواب الأمل؛ ليصل الإنسان إلى كماله المهيأ له، ولكن ليس على حساب الآخرين كما يفعل الغرب المادي، ومع الجانب المادي يسعى الإسلام إلى بناء الكيان الروحي والعقلي والأخلاقي في الإنسان؛ لأن المادة جزء من حياة الإنسان، وأما الجزء الآخر؛ فهو الروح، والعقل، والأخلاق.

قال - تعالى-: ﴿ربنا آتنا في الدُّنيا حَسَنةً وفي الآخرة حَسَنة وقنا عذاب النار﴾ [البقرة:201].

قال - صلى الله عليه وسلّم-: «إنما بعثت؛ لأتمم مكارم الأخلاق». ويروى عن عيسى -عليه السلام- قوله: ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان.

فالأخلاق والعلم جناحان يحلق بهما الإنسان في سماوات الإجادة والإفادة.

2 - تجريد الحضارة الحديثة مما شابهها من سلبيات الإنسان الأوروبي، ونظراته الضيقة المحدودة، وذلك بدراستها في ضوء وهدى القرآن والسنة، ومنهج خير القرون، دون تقليد منا لها أو انغلاق عنها، لأن الانعزال والتقوقع على التراث في عالم اليوم - الذي تحول إلى (غرفة) صغيرة بحكم التطور التقني الهائل، في تكنولوجيا الاتصال- أمر مستحيل كما أن الانسياق وراء الدعوة إلى حضارة عالمية واحدة - بحد ذاته- انتصار للمدنية الغربية الكاسحة، وهو طريق التبعية الحضارية التي تفقد المسلمين خصوصيتهم الحضارية، ويحولهم إلى مجرد هامش لمدينة الغرب.

إن المشروع الحضاري الإسلامي فعل حضاري مركب لا يجتر ماضياً فارغاً، ولا يحاكي راهناً واهِناً، فعل يبدع ذاته من أصل ذاته (الأصيل)؛ الذي هو الأصل الذي أبدع نماذجه في التاريخ الماضي، القادر على أن يبدع نماذج جديدة في الحاضر والمستقبل.

وعلينا بعد ذلك الاعتماد على أصالتنا الرسالية وأن نتخذ من سيرة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلّم- قوة مناعية في بناء حضارة قوية وسليمة.

نريد جيلاً يحاول التعرف إلى تاريخه وماضيه، وينفتح على تراثه الإسلامي الصافي الأصلي، ويستلهم منه مشعلاً لطريقه ورؤيته للمستقبل.

لقد حمل المسلمون الأوائل قيم الإسلام العليا ومُثُلَهُ السامية، وأخذوا في نشرها وتعميقها في كل أرجاء الدنيا، وبدأت عملية التفاعل بينها وبين الحضارات السابقة.

ومع مرور الزمن وانصرام القرون نتجت حضارة إسلامية كونية، أسهم في تكوينها المكونات الصالحة من الحضارات السابقة، فاغتنت الحضارة الإسلامية بكل ذلك عن طريق التفاعل، وكانت هي بدورها فيما بعد عندما استيقط الغرب من سباته وأخذ يستعد مكوناً حضارياً ذا بال، أَمَدَّ المدنية الغربية بما تزخر به اليوم من علوم وعطاء مادي متنوع، ولذلك كله؛ فإنه وفي عصر التحدي الحضاري ودوامة التحامل على الإسلام الذي صوب سهامه ضد ثوابت الأمة وقيمها وبلادها، تتعاظم الحاجة إلى مشروع إسلامي حضاري، تقويماً للمسيرة وتصحيحاً للرؤى، وتنسيقاً للجهود والمواقف، وإعلاء لمنظومة المُثُل والقيم، وإشاعة للود والتسامح والتراحم، وبثاً لروح التعاون والتصافي والتفاهم، وبالتالي ارتقاءاً بالإنسانية وإسعاداً للبشرية.

ملامحه: أنه رباني عالمي وسطي سلفي أخلاقي إنساني حضاري إيجابي شمولي واقعي، ترتبط الأصالة فيه بالمعاصرة، يلتزم المصداقية بلا تضخيم، والواقعية بلا انهزامية، والشفافية بلا تهريج، الإنصاف رائده، والعدل حاديه، والتسامح أسلوبه وقالبه، يعمل على حشد الطاقات في الأمة لا على تبديدها، يسلك مسالك الإخلاص للخالق، والرفق والرحمة بالمخلوقين، يتسم بالعقل والتسامح والحكمة، ويحاذر الصلف والعنف والتهور والشطط، وبذلك تحقق أمتنا الريادة الحضارية، وتستعيد أمجادها التاريخية، وتتخلص من أزماتها الخانقة، وتصلح أوضاعها المتردية - بإذن الله:

وتتمثل مراقي هذا المشروع الحضاري الإسلامي فيما يأتي:

1 - إن البديل لصدام الحضارات هو تفاعلها، وحوارها بما يعود على الإنسانية جمعاء بالخير والسعادة، فالتفاعل عملية صراع؛ لكن موجهة للبناء، والاستجابة الحضارية لتحديات الواقع الراهن.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٨٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٨٧٠