2 - تجريد الحضارة الحديثة مما شابهها من سلبيات الإنسان الأوروبي، ونظراته الضيقة المحدودة، وذلك بدراستها في ضوء وهدى القرآن والسنة، ومنهج خير القرون، دون تقليد منا لها أو انغلاق عنها.
لأن الانعزال والتقوقع على التراث في عالم اليوم، الذي تحول إلى قرية صغيرة -بحكم التطور التقني الهائل في تكنولوجيا الاتصال- أمر مستحيل، كما أن الانسياق وراء الدعوة إلى حضارة عالمية واحدة بحد ذاته انتصار للمدنية الغربية الكاسحة، وهو طريق التبعية الحضارية التي تفقد المسلمين خصوصيتهم الحضارية، ويحولهم إلى مجرد هامش لمدينة الغرب.
إن المشروع الحضاري الإسلامي فعل حضاري مركب، لا يجتر ماضياً، ولا يحاكي راهناً، فعل يبدع ذاته من أصل ذاته (الأصيل): الأصل الذي أبدع نماذجه في التاريخ الماضي، القادر على أن يبدع نماذج جديدة في الحاضر والمستقبل.
وعلينا بعد ذلك الاعتماد على أصالتنا الرسالية وأن نتخذ من سيرة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلّم- قوة مناعية في بناء حضارة قوية وسليمة.
نريد جيلاً يحاول التعرف إلى تاريخه وماضيه، وينفتح على تراثه الإسلامي الصافي الأصلي، ويستلهم منه مشعلاً لطريقه ورؤيته للمستقبل.
لقد حمل المسلمون الأوائل قيم الإسلام العليا ومُثُلَهُ السامية، وأخذوا في نشرها وتعميقها في كل أرجاء الدنيا، وبدأت عملية التفاعل بينها وبين الحضارات السابقة، ومع مرور الزمن وانصرام القرون: نتجت حضارة إسلامية كونية، أسهم في تكوينها المكونات الصالحة من الحضارات السابقة، فاغتنت الحضارة الإسلامية بكل ذلك عن طريق التفاعل، وكانت هي بدورها فيما بعد - عندما استيقط الغرب من سباته وأخذ يستعد مكوناً حضارياً ذا بال-، أَمَدَّ المدنية الغربية بما تزخر به اليوم من علوم وعطاء مادي متنوع.
ولذلك كله؛ فإنه وفي عصر التحدي الحضاري ودوامة التحامل على الإسلام الذي صوب سهامه ضد ثوابت الأمة وقيمها وبلادها، تتعاظم الحاجة إلى مشروع إسلامي حضاري؛ تقويماً للمسيرة وتصحيحاً للرؤى، وتنسيقاً للجهود والمواقف، وإعلاء لمنظومة المُثُل والقيم، وإشاعة للود والتسامح والتراحم، وبثاً لروح التعاون والتصافي والتفاهم، وبالتالي: ارتقاءاً بالإنسانية، وإسعاداً للبشرية، ملامحه: أنه رباني، عالمي، وسطي، سلفي، أخلاقي، إنساني، حضاري، إيجابي، شمولي، واقعي، ترتبط الأصالة فيه بالمعاصرة، يلتزم المصداقية بلا تضخيم، والواقعية بلا انهزامية، والشفافية بلا تهريج، الإنصاف رائده، والعدل حاديه، والتسامح أسلوبه وقالبه، يعمل على حشد الطاقات في الأمة لا على تبديدها، يسلك مسالك الإخلاص للخالق، والرفق والرحمة بالمخلوقين، يتسم بالعقل والتسامح والحكمة، ويحاذر الصلف والعنف والتهور والشطط، وبذلك تحقق أمتنا الريادة الحضارية، وتستعيد أمجادها التاريخية، وتتخلص من أزماتها الخانقة، وتصلح أوضاعها المتردية بإذن الله.
وتتمثل مراقي هذا المشروع الحضاري الإسلامي فيما يأتي:
1 - إن أولى الخطوات، ونقطة الانطلاق: البدء بالذات، وفهمها، ومحاسبة النفس، والوقوف طويلاً للمراجعات: تصحيحاً في المعتقد، وسمواً في الخلق والسجايا، وسلامة في الاتباع، ومحاذرة الابتداع، ومعالجة لجوانب النقص التي دخلت على الأمة في عقيدتها ومنهجها، وأن تلتزم الأمة نور الوحيين: الكتاب والسنة ومنهج القرون المفضلة؛ كما قال -صلى الله عليه وسلّم-: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم».
يجب أن نتعرف إلى واقعنا كما هو بالفعل دون رهبة أو خجل، ومن دون تهوين أو تهويل. . . إنها فرصة للحوار مع الذات فهي البنية التحتية للحوار مع الآخرين.
2 - محاولة فهم الآخر والتعرف عليه، وهو هنا: الغرب وحضارته؛ للاستفادة من معطياتها النافعة، دون ذوبان فيها، أو تمييع لديننا ومنهجنا.