قال أبو حيّان التوحيدي في المثل السابق: "دلّ على أن محبّتك يمتزج بها الهوى، وتجاذبها الشهوة، وتذل معها النفس، ويكلّ عندها العقل، فذاك هو الإعماء والإصماء، وإنما أراد التّمثيل باللفظ والزّجر بالمعنى، وهذه المحبة بهذه الصفة مقصورة على ما اتصل بالدنيا وأسبابها، فأما أمور الآخرة وطرائق الدّين فإنّ حبّك لها لا يعمي ولا يصمّ، بل يزيدك في سمعك وضياء بصرك ونور قلبك وطهارة خاطرك".
﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [سورة الحج: 46].
وهؤلاء الذين يلتفّون حول "مشهور وزمرته" صنفان لا ثالث لهما:
الصنف الأول: أتباع الهوى والعمى ممن يحاول الوصول إلى الدّنيا كما وصلوا، وليس العلم همّهم! لأنه لو كان همّهم العلم لطلبوه من أهله لا من ساقطي العدالة.
ولهذا قال الله تعالى قبل الآية السابقة: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
وهؤلاء يصدق فيهم قول الله تعالى عن قوم فرعون: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: 54].
قال لهم: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى﴾ [النازعات: 24] فصدّقوه!
وقال لهم: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ. أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ. فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: 51 - 53].
قال ابن كثير: "وإنما قال هذا تستراً وتدليساً على رعاع دولته وجَهَلتهم".
وقال أيضاً: "يخبر تعالى عن كفر فرعون وطغيانه وافترائه في دعوى الإلهية لنفسه القبيحة - لعنه الله -كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ﴾، وذلك لأنه دعاهم إلى الاعتراف له بالإلهية، فأجابوه إلى ذلك بقلّة عقولهم وسخافة أذهانهم؛ ولهذا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ".
وهذا "مشهور" استخفّ مَن حوله، ولبَّس عليهم، وقال لهم: "أنا لم أسرق. ومن ادّعى ذلك فعليه بالدليل! ألا ترون مؤلفاتي الكثيرة، وتحقيقاتي النفيسة التي ملأت الدنيا. أما هؤلاء الذين يتهموننا [كما قال فرعون عن موسى وأتباعه] من هم؟ إنهم نكرات! كم هي مؤلفاتهم؟ ومن مشايخهم؟ وهل تتلمذوا على الشيخ الألباني مثلنا؟ إنهم يحسدوننا، إذ لم يصلوا إلى مرتبتنا! "!!!
فقال الأتباع: "نعم، نعم، يا شيخنا. لقد أصبت. من هؤلاء النكرات؟ وأين أدلتهم على أنك سرقت؟ أنت المصدَّق عندنا، ولو جاؤوا بملء الأرض كتباً تثبت أنك سرقت، فلن نسمع لهم، ولن نصدّقهم! لأنك أنت الصادق، فلو أننا نظرنا في ما يكتبه هؤلاء فإننا حينئذ نشكّ فيك، وحاشا أن نصل إلى هذا".
ما أشبه هذا بقول فرعون وأتباعه: ﴿وهذه الأنهار تجري من تحتي﴾ وهي حقيقة لا تجري، وكذلك مؤلفات مشهور هي مسروقة ليست له، سواء التي سرقها من مصنفات غيره، أم صنفها بعض الطلبة وانتحلها هو!!
قال ابن كثير: "وإنما أراد - أي فرعون - الترويج على رعيته، فإنهم كانوا جهلة أغبياء، وهكذا كقوله: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسورةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ ".
فماذا كانت عاقبة هؤلاء الذين أطاعوا فرعون في غيّه لما استخف بعقولهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ. فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
قال ابن كثير: "قال تعالى إخباراً عنه: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: 23 - 26] يعني: أنه جمع قومه ونادى فيهم بصوته العالي مُصَرِّحا لهم بذلك، فأجابوه سامعين مطيعين. ولهذا انتقم الله تعالى منه، فجعله عبرة لغيره في الدنيا والآخرة".