تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لكن أيها الأخوة من أدق وأبلغ أوصاف يوم القيامة هذا الوصف " خافضة رافعة(3) " الحياة الدنيا درجات ، إنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض (سورة الإسراء : الآية 21) ، يعني أضرب لكم بعض الأمثلة معلم في قرية يحمل طعامه كل إسبوع والحياة خشنة جدا والمواصلات قليلة والطلاب في جهل كبير ، والخدمات ضعيفة والإمكانات محدودة والمشقة بالغة كأستاذ في الجامعة ذو كرسي ، مسافة كبيرة جدا ، جندي غر كرئيس أركان ، ممرض كطبيب جراح ، بائع متجول كعضو غرفة تجارة ، فرق كبير ، الحياة فيها مقاييس ، الحياة كلها مراتب ، لكن ماقولكم أن هذا اليوم الذي لابد من أن يقع سيقلب كل المقاييس، إنسان يقيم عرسا لإبنه كلفته 20 مليون وإنسان ليس معه ثمن رغيف خبز .

ماقولكم إذا وقعت الواقعة أن تنعكس الآية ، " ليس لوقعتها كاذبة(2) خافضة رافعة(3) " الذين كانوا في أوج الغنى أصبحوا في حضيض الفقر والذين كانوا في أوج الصحة والتمكن أصبحوا في عذاب أبدي والذين كانوا في الفقر المدقع وقد قبلوا من الله حكمه ورضوا بأفعاله ورضوا بقضائه وقدره وتعففوا وتجملوا ، ماقولكم أن هؤلاء سيصبحون في نعيم مقيم إلى أبد الآبدين ، فالعبرة مانؤول إليه لا مانحن فيه، فهذه الواقعة " خافضة رافعة(3) " ، الدنيا مراتب ، لكن المستقيم والمطيع سوف يغدو في أعلى مراتب الآخرة والمتفلت من منهج الله ، الشارد عن ربه ، المقيم على المعاصي ، ولو كان في أعلى درجات المجتمع غنى وقدرة وتألقا وشهرة سوف يغدو في الحضيض ، فالعبرة لا فيما نحن عليه ولكن في ما سنكون عليه ، فيما سنغدو عليه .

لذلك قال تعالى: والعاقبة للمتقين (سورة الأعراف : الآية 128) . ( ألا يارُبَ نَفْسٍ جائعةٍ عاريةٍ في الدنيا طاعمةٍ ناعمةٍ في يوم القيامة ، ألا يا رُبَ مُكْرِمٍ لنفسه وهو لها مُهين ، ألا يارُبَ مُهينٍ لنفسه وهو لها مُكرم ، ألا يارُبَ نَفْسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا جائعةٍ عاريةٍ يومَ القيامةِ )

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٣٩٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٣٩٠٤