قال المفسِّرون : " جنَّةٌ في الدنيا وهي القُرب من الله " ، ليس معنى ذلك أن ترى المؤمن في بحبوحةٍ مادِّيةٍ كبيرة ، في غناءٍ فاحش ، لا ، ليس هذا هو المعنى ، جنَّة الدنيا أن تنعُم برضوان الله ، أن تشعر أن الله الذي خلق السماوات والأرض يحبك وهو راضٍ عنك ، وهذا الرضا وذاك الحب لا يعرفه إلا من ذاقه ، جنَّة الدنيا أن تطمئن ، جنة الدنيا أن ترضى بنصيبك من الله ، جنة الدنيا أن تشعر أن الله معك ولا يتخلَّى عنك ، جنة الدنيا أن تشعر أن الله يدافع عنك ، جنة الدنيا أن تشعر أن الله لن يكتب لك إلا الخير ، ولن تفاجأ في المستقبل إلا بمزيدٍ من الخير ..
اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى(123)
( سورة طه )
فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(38)
( سورة البقرة )
لا خوفٌ عليهم من المستقبل ، ولا هم يحزنون على الماضي ، هذه جنَّة الدنيا ، جنة الدنيا مبذولةٌ لكل مخلوق ، الثمن موحَّد ، أسعار موحَّدة ، الثمن واضح ، والثمن تملكه وهو طاعة الله عزَّ وجل ..
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ
( سورة الحجرات : آية " 13 " )
فالآية تحتمل المعنيين ، تحتمل أنك إذا اتقيت الله عزَّ وجل اقتربت منك جنَّة الدنيا ، وتحتمل أنك إذا اتقيت الله في الدنيا اقتربت منك جنة الآخرة سبباً ، أي اقتربت منها من حيث الأسباب ، كما لو أن الإنسان أتقن قراءة كتابٍ مقرَّر في الإمتحان فإذا أتقنه ، وأتقن الكتاب الثاني والثالث والرابع يقول لك : كأنني نجحت ، كأن النجاح لاح له بين عينيه .