لذلك على كلٍ إذا وجَّهنا الآية إلى الآخرة فاقتراب الجنة من المؤمنين تكريمٌ وأي تكريم ، الإنسان كلَّما عليِّ مقامه الأشياء تأتيه ، الأشياء تُقَرَّب إليه ، وكلَّما نزل مقامه درجة هو يسعى إليها ، بين أن تسعى أنت إليها وبين أن تسعى هي إليك ، أحياناً يُدْعَى الإنسان إلى وليمة .. على نمط جديد .. تحمل الطبق وتذهب إلى الطعام وتأخذ حاجتك منه ، لكن بعض الضيوف الكِبار يأتيهم الطعام إليهم ، فإما أن تسعى إلى الشيء وإما أن يسعى الشيء إليك ، لعلوّ مقامك عند الله عزَّ وجل ، وتكريماً لك على طاعته واستقامتك ، وأزلفت الجنة إليك ، تأتي كيف ؟ لا نعلم هذا مما استأثر الله بعلمه .
أما في الدنيا ، فكلَّما ازددت طاعةً لله اقتربت منك جنة الدنيا ، جنة القُرب ، جنة الطمأنينة ، جنة الرضا ، جنة الشعور أن الله لا يتخلَّى عنك، أن الله يدافع عنك ، هذه الجنة التي قال عنها بعضهم : " أبو بكرٍ في الجنة فلعلَّ النبي قصد أنه في جنَّة الدنيا ، ولعلَّه قصد أنه في جنَّة الآخرة " على كلٍ :
وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ(46)
ومن أجمل الأدعية : " اللهمَّ اجعل نِعَمَ الآخرة متصلةً بنعم الدنيا ".
أي أن المؤمن خطَّه البياني صاعد ، الموت نقطة على هذا الخط ، يخلع ثوباً ليرتدي ثوباً ، هو في سعادة ، يأتيه ملك الموت فيخلع عنه ثوب الجسد ليلبس ثوباً آخر لا يعلمه إلا الله .. "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر " .
يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(8)
( سورة التحريم )