الموت ينقلك من علم اليقين إلى حق اليقين ، ينقلك من أفكارٍ منطقية سمعتها إلى مشاهداتٍ حقيقية تراها ، خيارنا مع الإيمان هل هو خيار قبولٍ أو رفض ؟ لا والله ، إنما هو خيار وقت ، إما أن نؤمن قبل فوات الأوان أو لابد من أن نؤمن بعد فوات الأوان ، إما أن نؤمن ونستفيد من إيماننا ، أو أن نؤمن من دون أن نستفيد من الإيمان شيئاً ، تزداد الحسرة والندم .
فأكثر الناس لا يستطيع أن يتصور أنه سيموت ، يدخل في حساباته كل شيء يقول لك: بعد عشرين سنة إذا كانت أنابيب التدفئة المركزية فسدت أدعها في مكانها وأجعل التمديد خارجياً ، كل شيء أدخله في حسابه لِبعدِ عشرين أو ثلاثين سنة ، أما أنه سيموت ؟ فلم يحسب حسابه !!
هناك أناسٌ لا يحبون سماع القرآن لأنه يذكِّرهم بالآخرة ، أو لأنه يتلى في المناسبات الحزينة ، هناك أناسٌ لا يحبون أن يروا قبراً ، بل إن هناك بلاداً تقيم فيها خمسين عاماً لا ترى فيها جنازة ولا نعوة ولا إعلاناً، كل شيءٍ ينبئ بالحياة لا بالموت ، مع أن ذكر الموت مفيد جداً ، النبي الكريم قال :
" أكثروا ذكر هاذم اللذات مفرق الأحباب ، مشتت الجاعات "
" عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب ما شئت فإنك مفارق ، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به "
هناك رجل أمضى حياته في المعاصي ، فلما مرض مرضاً عضالاً أخفى عنه أهله ذلك ، أما حينما أخبروه صارت تأتيه نوبات هستيرية كل ربع ساعة ، يقول : لا أريد أن أموت ، ثم حينما جاءه ملك الموت صاح صيحةً يقول لي شريكه : ما بقي في البناء المؤلَّف من أربعة طوابق إنسان إلا وسمع صيحته ، من الذعر الذي أصابه .
والله عزَّ وجل أعطانا مقياساً ..
( سورة الجمعة )