أيها الأخوة ... الإنسان مدعوٌّ وهو في الدنيا ، وهو حيٌّ يُرزَق أن يدخل إلى غرفةٍ مظلمة ، بلا مصباح أبداً ، وليقبع بها ساعاتٍ طويلة ، ألا يشعر بالضجر ؟ ألا يشعر بالوحشة؟ غرفة كبيرة فيها سرير وثير ، وفيها نوافذ ، أطفئ المصباح واجلس وحدك عدة ساعات ، القبر على طول الزمن لا نافذة ولا سرير ولا شيء من هذا ، تحت التراب ، باليوم الواحد وتشتّع عشرون جنازة أو أكثر ، في هذا الحي في اليوم نعوتان أو ثلاث ، فهذا الذي أعلمونا أنه توفي أين يبيت هذه الليلة ؟ تحت الأرض ، تحت التراب، أين كان ينام قبل وفاته؟ على سرير ، حوله زوجة وأولاد ، هناك طعامٌ وشراب ، هناك ثياب ، هناك بيتٌ نظيف ، يُوضَع على التراب ويهال عليه التراب ، وقد قال سيدنا عمر : " كفى بالموت واعظاً يا عمر".
إخواننا الكرام ... التفكُّر بالموت جزء من الدين ، التفكُّر مع التساؤل يا ترى كيف تنتهي حياتي ؟ بأية طريقة ؟ أين أموت في البيت أم خارج البيت ؟ أين أُغسَّل أفي البيت ؟ أين أُدفَن ؟ هذه الخواطر ضرورية جداً لأنها كوابح .
أيها الأخوة الأكارم … لو أنك كنت على طريقٍ معبَّد تركب مركبة ، الخطران الكبيران أن تنحرف يمنةً أو يسرةً وعلى اليمين وادٍ سحيق ، وعلى اليسار وادٍ سحيق ، والخطر الثاني هو أن تتعطل المركبة ، والتفكُّر في الموت يجعلك على الطريق ويدفعك نحو الأمام ، الذي يقيك الانزلاق والوقوف هو التفكُّر بالموت ، وسبحان الله إن الموت ما ذُكِرَ مع كثيرٍ إلا قلَّله ، وما ذُكِرَ مع قليلٍ إلا كثَّره ، فالإنسان القوي الغني المتمكّن يحل بالمال كل قضية ، الموت يقلِّل هذا المال بل يذهبه ، ماذا ينفعه المال حينما يموت ؟ والفقير المعذَّب المريض الموت ينهي كل مشكلاته .