الآن انظر إلى نملة وهي تسير ضع يدك أمامها تجدها قد وقفت لأنها رأت ، وتجدها غيَّرت من اتجاهها ، أمر صدر من الدماغ للعضلات ؟ معنى ذلك أن فيها دماغ ، وفيها جهاز عصبي ، وفيها جهاز عضلي ، وفيها قلب ينبض ، وفيها إدراك ، وفيها رؤية ، هذه النملة الصغيرة ، في دويِّبِيَة لا تزيد عن ربع مليمتر تمشي وترى ، إذا كانت البعوضة عندها جهاز تحليل دم ، وجهاز تخدير ، وجهاز تمييع ، وجهاز رادار ، ولها ثلاث قلوب ، وترف أربعة آلاف رفة في الثانية ، ولها محاجم ولها مخالب ، هذه البعوضة التي إذا قتلها الإنسان لا يحس بشيء ، قتل بعوضة ، هيِّنة على الناس ، هيِّنة جداً ، والنبي قال :
" لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ " * .
( من سنن الترمذي : عن " سهل بن سعد " )
أي أن هذه الدنيا عند الله أقل من جناح بعوضة ، لذلك هي أحقر من أن تكون عقاباً لعبد ، وأحقر من أن تكون مكافأة ، إن هذه الدنيا عرضٌ حاضر يأكل منه البَرُّ والفاجر .
فكر كل يوم بعد صلاة الفجر ، قبل أن تنام ، أثناء النهار ، هذا الفكر يجب أن يتحرَّك ، لأنه إذا تحرك قادك إلى الجنة ، وإذا لم يتحرك استخدمت هذا الفكر لغير ما خلق له كنت من أشد الخاسرين ، جهاز كمبيوتر ثمنه الملايين وتستعمله طاولة للأكل ؟! ألا تكون قد احتقرته ؟ حاسوب سعته التخزينية كذا ألف ميجا وتستخدمه طاولة أكل ، هذا احتقار له ، كذلك العقل البشري تستخدمه فقط لكسب الرزق ، فقط لكسب المال ، فقط للإيقاع بين الناس ، للانغماس في الملذات فقط ؟ فيوم القيامة سيرى الإنسان أن هذا الفكر أداة معرفة الله ، سبب سعادتك ، لذلك هنيئاً لمن أعمل فكره في معرفة الله ، وفي التقرُّب إليه ..