تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا الإنسان أعرض عن التفكُّر في خلق السماوات والأرض أعرض عن معرفة الله ، وكلما معرفته صغرت معاصيه تكثر ، أنت تقول: أنا ليس من المعقول أن أعصي الله عزَّ وجل ، فما السبب ؟ لأنك تعرفه ، تعرف طرفًا من عظمته ، لكنك إذا رأيت إنسانًا يرتكب معصية بشكل وقح ماذا تقول ؟ لا يعرف الله ، لو عرفه لما عصاه ، شيء طبيعي جداً ، فسماعك للدروس جعل لك قناعات متراكمة أن الله موجود ويعلم وسيحاسب ، قد تقول : والله لو أُقَطَّعَ إرباً إرباً لا أفعل هذا ، خوفاً من الله عزَّ وجل ، هذا الخوف من الله محصِّلة التفكر في الكون ، أو سماع الآيات ، لك أن تقرأها ، ولك أن تسمعها ، ولك أن تفكر فيها ، الطرق كلها سالكة إلى الله ، على كلٍ لو قرأت أو سمعت أو فكرت المحصلة أنك وصلت إلى الله ، فإذا وصلت إلى الله تشعر عندئذٍ أن الله عزَّ وجل عظيم ، وأمره عظيم ، ونهيه خطير ، فإحجام المؤمن عن المعصية بسبب قناعات متراكمة عنده ، أعتقد أن المؤمن لو قطعته لا يعصي الله ، لو مات من الجوع لا يأكل مالاً حرامًا مهما كلف الأمر ، تجد إنسانًا من دون حاجة يحلف كذبًا ، من دون سبب يطلق سبابًا يقْشعر منه الجلد ، معنى هذا أنه لا يعرف الله عزَّ وجل ، تقريباً معرفة الله عزَّ وجل تؤدي إلى الطاعة ، أنت تطيع الله بقدر ما تعرفه ، فكلما ضعفت المعرفة ضعفت الطاعة ، إذاً :

هذه الآية خطيرة جداً ، يقول الله عزَّ وجل لكم : يا عبادي ليس لكم إلي إلا طريقٌ واحد ، طريق هذا الكون ، هذا الكون مظهرٌ لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى ، كل أسماء الله في هذا الكون ، عظمته من هذا الكون ، علمه ، قدرته ، غِناه ، رحمته ، حكمته ، كلها من هذا الكون ، وبين يديك ، هذا الكون فيه آيات لا يعلمها إلا الله :

في كل شيءٍ له آيةٌ تدل على أنه واحد

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٣٧٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٣٧٢٩