تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يحبُّ في العبد أن يُشْغَلَ بمعرفة الله ، أن يملأ الكون كل اهتمامه لأن الكون بابه إلى الله ، وأقول لكم دائماً وأعيد هذا الكلام كثيراً : إذا أردت أن تدخل من أوسع بابٍ إلى الله فدونك الكون ، وإن أردت أن تقطع أقصر طريقٍ إلى الله فدونك الكون ، لأنك لا تعرف الله لا بعينك ولا بسمعك ، الله لا يُرى ولا يُسمع لكن لا تعرفه إلا بعقلك ، فكأنَّ الكون طريقٌ وحيدٌ لمعرفة الله عزَّ وجل ، وهذا المعنى ورد في هذه الآية :

العزيز ، الغالي والعزيز النادر ، لكن علماء التوحيد قالوا : " العزيز هو الذي يحتاجه كلُ شيءٍ في كلِ شيء ، ويستحيل الإحاطة به والوصول إليه " . ممكن أن تصل إلى الله لكن مستحيل أن تحيط به ، باستقامتك وأعمالك الصالحة تصل إليه ، أما أن تحيط به علماً فأمر مستحيل .

وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ

( سورة البقرة : آية " 255 " )

وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا(85)

( سورة الإسراء )

إذاً يحتاجه كلُ شيءٍ في كلِ شيء وهو لا يحتاج شيئًا ، هو صمد ، كل شيء بحاجته بينما وجود الله عزَّ وجل ذاتي ..

الحكيم هو كل شيء تراه عينك ، لو لم يكن على ما هو عليه لكان هذا نقصاً في حكمة الله ، هذا الحكيم ، حكمته مطلقة ، لهذا القاعدة الدقيقة تقول : " كل شيءٍ وقع أراده الله ، وكل شيءٍ أراده الله وقع ، والذي أراده الله متعلِّقٌ بحكمته المطلقة ، وحكمته المطلقة متعلِّقةٌ بالخير المطلق " ، " ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن " ، " وإرادته متعلقةٌ بالحكمة المطلقة ، والحكمة المطلقة متعلقةٌ بالخير المطلق " .

أما الإنسان قد لا يكون حكيماً ، لماذا ؟ يرتكب الإنسان أعمالاً ليست حكيمةً لنقصٍ في علمه ، أو لضغطٍ عليه ، أو لوقوعه تحت تأثير إغراء شديد ، كل هذا الله جلَّ جلاله منزَّهٌ عنه ، لذلك حكمته مطلقة ، هذا الذي دفع بعض العارفين بالله على أن يقول : " ليس في الإمكان أبدع مما كان " .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٣٧١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٣٧١٠