يروى أن قاضيًا قال له غلامه : هذا الطبق من التمر من الرطب جاء به رجل ، قال له : صفه لي ، قال : صفته كيت وكيت ، علم أنه أحد المتخاصمين عنده ، قال له : ردّ الطبق ، في اليوم التالي ، تمنى القاضي أن يكون الحق مع الذي قدم الطبق ، مع أنه لم يقبله ، في اليوم الثالث التقى مع أمير المؤمنين ، وطلب منه أن يعفيه من منصب القضاء ، قال : ولمَ ؟ قال : لأنني لست أهلاً لهذا المنصب ، لأنني تمنيت في اليوم التالي أن يكون الحق مع الذي قدم الطبق ، مع أني لم آخذه ، فكيف لو أخذته ؟ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ﴾ ، إن لم نشهد شهادة عدل ضاعت الحقوق ، وإذا ضاعت الحقوق يئس الناس من هذا الدين ، لماذا - إن صح التعبير - يخرج الناس أحياناً من دين الله أفواجا ؟ لأن هذا الدين ما رأوا فيه إلا العبادات الشعائرية ، لم يروا البطولات التي تلفت الأنظار ، بطولات إحقاق الحق ، وإبطال الباطل ، نصرة المظلوم ، هذا لم يُرَ .
فيا أيها الإخوة الكرام ، يقول الله عز وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ﴾ ، هذا هو التوجيه الإلهي ، لكن ما الذي يحصل ؟ أن المؤمن له خصم تقليدي ، هو الكافر ، ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ ، أي لا يحملنكم ، ﴿ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾ ، يعني هؤلاء أعداء المؤمنين التقليديون ، فينبغي أن نعامل الطرف الآخر بأعلى درجات العدل والإحسان ، لأن أخلاق الحرب شيء ، وأخلاق الدعوة شيء آخر ، ففي الحرب :
( سورة التوبة الآية : 73 ) .
هذه أخلاق الجهاد ، ولكن في السلم :
( سورة فصلت ) .