- المِثَالُ الرَّابِعُ: وَفِي كِتَابِ الأَطْعِمَةِ عِنْدَ كَلَامِهِ عَلَى بَابِ الْفَرَع، قَالَ رحمه الله: "وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ: رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ)، وَهَذَا نَهْيٌ عَنْهُمَا، وَرُوِيَ عَنْ نُبَيْشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ: (إِنَّا كُنَّا نَعْتِرُ عَتِيرَةً فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَقَالَ: اذْبَحُوا فِي أَيِّ شَهْرٍ كَانَ، وَبُرُّوا الله وَأَطْعِمُوا، قَالَ: إِنَّا كُنَّا نَفْرَعُ فَرَعًا فِي الجَاهِلِيَّةِ فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَقَالَ: فِي كُلِّ سَائِمَةٍ فَرْعٌ …)، وَهَذَا أَمْرٌ بِهِمَا، وَوَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه مَحْمُولٌ عَلَى نَفْي الإِيجَابِ، وَحَدِيثُ نُبَيْشَةَ مَحْمُولٌ عَلَى الاسْتِحْبَابِ، وَقِيلَ: النَّهْيُّ عَنْهُمَا لِمَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللهِ، وَالأَمْرُ بِهِمَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذُبِحَ لِوَجْهِ اللهِ" (١).
وَقَدْ سَارَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ فِي شَرْحِهِ هَذَا بِالجَمْعِ بَيْنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ، وَبَيَانِ وَجهِ العَلَاقَةِ بَينَهُمَا، وَرُبَّمَا ذَكَرَ أَكْثَرَ مِنْ وَجْهٍ تَتَّفِقُ بِهِ هَذِهِ الأَحَادِيثُ (٢).
ح - عِنَايَتُهُ بِبَيَانِ الأَحَادِيثِ الَّتِي هِيَ أُصُولٌ فِي أَبْوَابِهَا:
وَتَجَلَّى هَذَا الصَّنِيعُ مِنَ الْمُؤَلِّفِ رحمه الله فِي مَوَاطِنَ مِنْ شَرْحِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ:
* الْمِثَالُ الأَوَّلُ: قَالَ رحمه الله: حَدِيثُ أَسْمَاءَ أَصْلٌ فِي غَسْلِ النَّجَاسَاتِ" (٣).
* الْمِثَالُ الثَّانِي: عِنْدَ شَرْحِهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي فَرِيضَةِ الزَّكَاةِ قَالَ رحمه الله: "هَذَا
(١) ينظر: (٥/ ١٥١ - ١٥٢) من قسم التحقيق، وينظر تخريج حديث أبي هريرة ونبيشة رضي الله عنهما هناك.
(٢) ينظر من الأمثلة على عناية المؤلف رحمه الله بمختلف الحديث أيضا (٢/ ١٩١ و٣٢٠ و٣٨١)، (٣/ ١٢٣ و١٦٩ و٥٠٠) من قسم التحقيق.
(٣) ينظر (٢/ ٢٣٥) من قسم التحقيق.