تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه المصائب وتخفيف آلامها، ومنها - ولعلها أفضلها - تضامن الشعوب البشرية

بالعطف على المصابين والمنكوبين من جرحى الحرب وغيرها من النوازل العامة

بعاطفة الإنسانية الجامعة بين الناس على اختلاف مللهم ونحلهم وأوطانهم وحكوماتهم

وإننا نرى جميع هذه الشعوب قد أعرضت عن مد أيديها لمساعدة منكوبي الريف وجرحاهم في المغرب الأقصى، على ما يعلم الجميع من عدم وجود الأطباء

والجراحين والممرضين في تلك المنطقة، ومن فقد الأدوات الطبية التي لا بد منها

لمواساة الجرحى ومعالجتهم، فكأن هذا الشعب المنكوب ليس من البشر، فهو

يقاسي جميع نكبات الحرب منذ سنين، ولم يعطف عليه أحد من الشرقيين ولا من

الغربيين.

إذا كانت مساعدة منكوبي البشر حقا على جميع البشر للاشتراك العام في

الجامعة البشرية، فإن هنالك جامعات أخرى تجعل هذا الحق على بعض الناس آكد،

وتوجب أن يكون الشعور به أقوى، كالجامعة الشرقية والجامعة الجنسية والجامعة

اللغوية والجامعة الدينية، بداعية هذه الجامعات العامة والخاصة ارتفعت أصوات

كثير من الكتاب في الجرائد الشرقية من عربية وعجمية بطلب جمع التبرعات؛

لمساعدة جرحى الريف ومنكوبي الحرب فيه، وتجاوبت الجرائد فيه بين مصر

والهند.

وقد كانت الجمعية العامة للرابطة الشرقية استحسنت اقتراحا عرض عليها

بجمع الإعانة لهؤلاء المنكوبين، وتبرع بعض أعضائها لذلك بالفعل، ثم نظر

مجلس إدارتها في تنفيذ ذلك، ولما لم يجد وسيلة أو طريقة لإرسال بعثة طبية لم

يتصد لذلك، ثم تألفت في هذه الأيام لجنة؛ للقيام بجمع التبرعات لهم برئاسة سمو

الأمير الجليل عمر طوسون باشا، وعهدت بأمانة صندوقها إلى حضرة السيد أبي

بكر بك راتب، بناء على وقوف سموه على طريق مأمون لإرسالها إليهم، فعاد

مجلس إدارة الرابطة الشرقية إلى البحث في المسألة، وقرر استنهاض الهمم

واستنداء الأكف؛ لمساعدة هذه اللجنة في عملها هذا.

فالرابطة الشرقية تنادي كل شرقي كريم الخيم رقيق القلب سخي النفس من

مصري وسوري وعراقي وإيراني وهندي وجاري وتركي، وقوقاسي وياباني

وصيني قائلة: إن شعبا صغيرا من أكرم شعوبكم منبتا، وأعزهم نفسا، وأسوئهم

في الحياة حظا، يعاني على فقره وقلة ذات يده، حربا عاتية يدافع فيها عن نفسه،

فتجندل أبطاله في حومة الوغى بقذائف الطيارات والمدافع والبنادق؛ فيكون أسعدهم

حظا من يلاقي حتفه لساعته، وأشقاهم وأشدهم بؤسا أولئك الذين تفصل القذائف

الجهنمية أيديهم وأرجلهم من أبدانهم، أو يخترق الرصاص صدورهم فينفذ من

ظهورهم، أو يقطع أمعاءهم ويمزق أكبادهم، ويبقى مستكنا في طيات أحشائهم،

ولا يجد طبيبا ولا ممرضا يأسو له قرحا، أو يطهر له جرحا، أو يحفظ له بقية دمه،

أو يخفف عنه بعض ألمه ﴿ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت﴾ (إبراهيم: 17) .

أولئك أيها الشرقيون إخوانكم في الرابطة الشرقية، أولئك أيها العرب إخوانكم

في الوشيجة العربية، أولئك أيها الأفريقيون أشقاؤكم في القارة الأفريقية، أولئك

أيها المسلمون أخوتكم في الجامعة الإسلامية، أولئك أيها الناس أبناء أبيكم وأمكم في

الإنسانية، فليعطف عليهم كل واحد منكم بما يجده في قلبه من عطف الجامعة التي

تجمعه بهم، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

وأما أنتم أيها المصريون الكرام فقد عرف الزمان لكم كل مكرمة، وحفظ لكم

مواقف بركم بالمنكوبين من الأمم المختلفة، ولو لم يكن لكم من آثار البر إلا إنشاء

جمعية الهلال الأحمر المصرية لكفى، فأنتم أجدر بأن تكونوا أسبق الشعوب إجابة

لنداء جمعية الرابطة الشرقية التي سبقتم إلى تأسيسها، ولا زلتم خير أهل للبر

والإحسان اه.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٩٠