تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم انتدب لهذا الواجب شرعا وعقلا وإنسانية صاحب السمو والهمة السامية

الأمير (عمر باشا طوسون) ، فألف لجنة للنهوض به تحت رياسته، ونشرت

الدعوة إلى التبرع لها في الجرائد، ولكننا لم نر الإقبال عليها من الشعب كما يجب،

ولا كما يليق بصيت بلادنا هذه وبثروتها وبنجدتها، ولا كما يعهد من تاريخها،

فهي قد ساعدت الطليان في نكبات الزلازل والبراكين التي انتابت مسيني وغيرها،

وساعدت أهل طرابلس وبرقة عند إغارة الطليان عليهم بغيا وعدوانا، وفي تلك

الأثناء أسست جمعية الهلال الأحمر المصري.

وما لي لا أذكر مساعدة هذه الجمعية الإسلامية لجمعية الصليب الأحمر

المسيحية بألوف الجنيهات، ومساعدة البلاد المصرية كلها حتى علماء الأزهر

(لأيام) الإعانات الإنكليزية كذلك، على كون الإنكليز أعداء للبلاد باحتلالهم إياها،

ثم (إعلان الحماية عليها) - وعلى كونهم كانوا يحاربون دولة الخلافة صاحبة

السيادة عليها - وعلى إرهاقهم إياها، وتحكمهم في استخدام رجالها وجمالها

وحميرها وبغالها، كتحكمهم في أموال حكومتها ومرافقها ومبانيها وسككها.

(فإن قلت) : إن هذا قد كان بقوة الحكومة المحلية وإكراهها للأهالي على

ذلك، (قلت) : هذا بيت القصيد، والتعليل الأول لفتور الشعب في إعانة الريف،

فالحكومة في مصر هي التي كانت ولا تزال تفعل كل شيء، وما كان يفعل فيها

شيء مهم إلا بنفوذها أو برضاها وإقرارها على الأقل، ولا تستثن جمع الإعانات

للوفد المصري ومظاهرة الأمة له، وإن وقع في إثر ثورة وطنية كانت أول عهد

بجرأة الشعب على الإنكليز، ثم على الحكومة المصرية، فإن الوزارة كانت

مرتاحة إلى تأليف الوفد، ولما شرع مستشار الداخلية الإنكليزي في مقاومة أعمال

الوفد وأخذه وثائق التوكيل من وجهاء الأمة، صرح يومئذ رئيس الوزارة ووزير

داخليتها بأن المستشار إنما فعل ذلك من تلقاء نفسه، وقد بينا في مقالنا التاريخي

المبسوط في المسألة المصرية الذي نشرناه في المجلد 22 (سنة 1339 ه 1919

م) ما كان من الشأن لمساعدة وزارة رشدي باشا في تكوين الوفد المصري، ثم ما

كان من الشأن لوزارة عدلي باشا في الاحتفال الأعظم الذي استقبلت البلاد به سعد

باشا عند عودته من أوربة، وقد صدقت الأيام بعد ذلك صحة رأينا على ما لا ينكر

من نهضة الأمة وعملها مرارا بما يخالف رغبة الحكومة، وما ساعد على بعثة

جمعية الهلال الأحمر الأخيرة إلا كارهة أو مكرهة، إذ لا تجد باعثا يرغبها فيه،

ولكن ما بالها لم تقبل على التبرع لجرحى الريف مع كثرة الدواعي والأواصر التي

تعطفها عليه، وتدعوها إلى تخفيف آلامه، من أخوة دينية، وآصرة عربية،

ووطنية إفريقية، ورابطة شرقية، وجامعة إنسانية، وتألم من تألب الشعوب

الأوربية، واعتبار بغيرتها الملية، إن لهذا الفتور موانع أكثرها فيما أرى سلبية من

عدم رغبة الحكومة وعطفها، ومن صد ملاحدة المتفرنجين عن مثل هذا العمل؛

لئلا يقوي الجامعة الإسلامية، ومن عدم تنظيم لجنة الإعانة للعمل واتخاذ الوسائل

المؤثرة لتعميمه، فعسى أن تعني اللجنة بذلك، وتنشر دعوتها في الجرائد المصرية

وغيرها، وتنشئ لها لجانا فرعية، في كل محافظة ومديرية، فحينئذ يقبل عليها

المصريون الإقبال الذي يكونون به قدوة لغيرهم.

وأما مجلس جمعية الرابطة الشرقية فقد قرر استنجاد الشعوب الشرقية كافة

والشعب المصري خاصة، وحض الجميع على مساعدة لجنة الأمير طوسن باشا،

وتبرع بعض أعضائه وأعضاء الجمعية لذلك قبل نشر نداء الاستنجاد واستنداء

الأكف في الصحف، وتوزيع ألوف منه في المعاهد العامة والطرق، وهذا نصه:

***

نداء جمعية الرابطة الشرقية

لإعانة جرحى الريف في المغرب الأقصى

لئن كان من سيئات هذا العصر أن صارت نكبات الحروب وفتكها فيه أشد

مما كانت في جميع عصور التاريخ، فإن من حسناته كثرة الوسائل لتلافي شرور

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٨٩