تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المعنى بل قصارى ما قلت لك: إن كان يكرثك أن تلبس ابنتك البرنيطة، وتخاصر

أي شاب استلطفته في الطريق، وتقترن بمن تريد ولو غير مسلم وما أشبه ذلك مما

هو جديد في الإسلام [1] فأولى بك أن تسحب ابنتك من اليوم من ألمانيا قبل أن

يعسو عودها فإنك بعد ذلك لا تقدر على ردها عما تريد، ولا أقول لك: إنها

ستتزوج حتما بغير مسلم، وستخاصر حتما من شاءت من الشبان بدون إذن منك أو

من أمها، كلا وإنما أقول لك: إنه يجوز أن تفعل ذلك، وحينئذ لا تقدر أنت أن

تمنعها.

وأما إذا كنت أنت ترى أن ما وسع الألماني وما وسع الأوربي بأسره يسع

المسلم أيضا وهم بشر ونحن بشر، وكما جاز للأوربية أن تتزوج مسلما برضا

والديها أو بدون رضاهما، يجوز للمسلمة أن تقترن بأوربي أو بيهودي أو بصيني

بوذي أو بهندي براهمي إلخ بدون رضا والديها؛ فعند ذلك أقول لك: دعها تكمل

تحصيلها في ألمانيا. فالمسألة مسألة وجهة ونظر، فالذي يرى هذه الوجهة فطريقه

هذا والذي يرى تلك الوجهة فطريقه هذا، فأما أن يرسل ابنته إلى أوربا ويخرجها

في مدارس لا تعلم لغة عربية ولا عقيدة إسلامية، أو يخرجها عند الراهبات

العذاريات أو عند راهبات الناصرة، ثم يطالبها بأن تبقى مسلمة دينا وشرقية ذوقا

ومشربا وأن لا يعطيها واحدا، وأن يحاسبها على عشرة، فهذا تكليف ما لا يطلق،

وأضم إلى هذا المثال مثالا آخر:

عند إعلان الدستور العثماني سنة 1908 قال أحمد رضا بك من زعماء

أحرار الترك: (ما دام الرجل التركي لا يقدر أن يمشي علنا مع المرأة التركية

على جسر غلطه وهي سافرة الوجه فلا أعد في تركيا دستورا ولا حرية) فكانت

هذه المرحلة الأولى، وفي هذه الأيام بلغني أن أحد مبعوثي مجلس أنقرة الكاتب

فالح رفقي بك الذي كان كاتبا عند جمال باشا في سورية كتب: أنه ما دامت الفتاة

التركية لا تقدر أن تتزوج بمن شاءت أيان شاءت ولو كان من غير المسلمين، بل

ما دامت لا تقدر أن تعقد مقاولة مع رجل تعيش وإياه كما تريد مسلما أو غير

مسلم - فإنه لا يعد تركيا قد بلغت رقياه) فهذه هي المرحلة الثانية.

فأنت ترى أن المسألة ليست منحصرة في السفور ولا هي بمجرد حرية المرأة

المسلمة في الذهاب والمجيء كيفما تشاء، بل هناك سلسلة طويلة حلقاتها متصل

بعضها ببعض، لا بد من أن ينظر الإنسان إليها كلها من أولها إلى آخرها، وإذا

كان ممن يرى حرية المرأة المطلقة أن يقبلها بحذافيرها بدون تعنت ولا تثاقل، فإن

كان ممن يرى رأي فالح رفقي بك - إن كان كما بلغني؛ لأنني لم أقرأ كلامه وإنما

أرجح صحته - بهذه الصراحة التامة التي معناها أنه يجب لتمام الرقي أن تصير

الفتاة المسلمة قادرة أن تتزوج بمن شاءت نصرانيا أو يهوديا أو مجوسيا، بل أن

تخادن من شاءت كذلك ولا حرج عليها في قانون بلاها، فقد انحل المشكل وارتفع

النزاع، ولم يبق حاجة إلى أن نقول: السفور خير من الحجاب، أو الحجاب خير

من السفور، بل تنحصر المسألة في هل يجب أن نقبل هذه النتائج بحذافيرها أم لا؟

وأما أن نجمع بين حرية المرأة وعدم حريتها، وأن نطلق لها الأمر تذهب

حيث أرادت، وتحادث من أرادت، وتضاحك من أرادت، وتغامز من أرادت، ثم

إذا صبا قلبها إلى رجل من غير جنسنا، فذهبت وساكنته، وكان بينها وبينه ما

يكون بين الرجل وزوجته - أقمنا القيامة ودعونا بالمسدس وقلنا ياللحمية وياللأنفة ويا

للغيرة على العرض! فهذا لا يكون وليس من العدل ولا من المنطق أن يكون.

والنتيجة التي نريدها قد حصلت وهي أن سلوكنا مسلك الأوربيين حذو القذة

بالقذة في مسألة المرأة هذا، له توابع ولوازم لا بد أن نقبلها ولا يبقى معها محل

لكلمة: أعوذ بالله، كلا. لا يوجد هناك (أعوذ بالله) بل تلك مدنية وهذه مدنية،

تلك نظرية وهذه نظرية، فعلينا أن نختار إحدى المدنيتين أو إحدى النظريتين مهما

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٨٢