إلى حيث يريد، فاختار الشيخ الذهاب إلى بلدة الدرعية، فسار وسير الشيخ عثمان
معه جماعة تحافظ عليه من أعدائه حتى وصل الدرعية فحل ضيفا عند عبد الله بن
عبد الرحمن بن سويلم أحد أعيانها، ثم علم بعض كبار الدرعية فزاروه فلما اطلعوا
على مبدئه استحسنوه وأحبوه، ثم أرادوا أن يسعوا عند أميرها محمد بن سعود؛
لينزله ضيفا عنده فتخوفوا ففاوضوا بذلك أخاه ثنيان وزوجته وأخاه مشاري فاتفق
الجميع على تحقيق ما في الأمنية، فتم الأمر وذلك أن الأمير لما دخل قصره وقابل
زوجته اجتمع به أخواه فعرضا عليه الأمر مع زوجة الأمير، وأشاروا عليه بإكرامه
واحترامه، فسار إليه برجله، ثم أخذه من عند عبد الله السالف الذكر وجاء به إلى
قصره، فاحتفى به أحسن الاحتفاء وأعزه وقام مؤيدا لدعوته بكل قوته، فأخذ الناس
يفدون إلى الدرعية أفواجا أفواجا؛ فازدادت بذلك قوة الأمير بل تضاعفت وشرع
يكاتب بلدان نجد وقراها، ويدعوها إلى طريق الحق، وما لبث أياما قلائل إلا
وأصغت له القبائل ودانت له أغلب البلدان، وما زالت الإمارة في امتداد واتساع
حتى أصبحت دولة بني سعود في درجة لو وفق أمراؤها الذين تسلموا قيادة
زمامها في آخر أيامها إلى ثروة ومد نظر في السياسة، لغدت اليوم من أعظم الدول
الإسلامية قوة وسطوة ورهبة، ولامتدت أمراؤهم إلى بلاد شاسعة، إلا أنه دهمها ما لم
يدر في خلد أصحابها، فإنها لما شددت في بعض أمورها كثر أعداؤها؛ فاحتالوا على
الفتك بها فأوقع بعض الأمراء ما يلقي النفور بين آل سعود وبين الحكومة العثمانية،
وللحال اتقدت تلك النار الحامية: نار الحروب والمضاغنات والزحفات المتكررة
فأضرت بالطرفين، ولا بد من ذكر تلك الأسباب التي حملت القوم الواحد على القوم
الآخر في فرصة أخرى، والله ولي التوفيق، وهو نعم الرفيق، انتهى.
(المنار)
هذه نبذة صحيحة من تاريخ مجدد الإسلام في القرن الثاني عشر محمد بن
عبد الوهاب، وقد اتفق الواقفون على تأثير ذلك الإصلاح من مؤرخي الشرق
والغرب على أنه يشبه نشأة الإسلام الأولى، وأنه لولا الموانع التي اعترضته لجدد
للإسلام مجده الديني والدنيوي معا، وأعظم تلك الموانع مقاومة الدولة العثمانية له
ومساعدة محمد علي باشا لها على قتال الوهابيين وتدمير قوتهم، وكان المحرك
الخفي لهذه المقاومة دولة الدسائس الشيطانية، وعدوة الشرق ولا سيما الأمة
الإسلامية، التي لا تزال هي المقاومة لكل إصلاح إسلامي وترق شرقي، طمعا في
استعباد الشرق كله، خذلها الله تعالى.
-----------------
<span class="footnote">
(1) كذا في الأصل، والحبو زحف الطفل أو المقعد مثلا على إسته أو على يديه وبطنه، والمراد به ضعف الدين.</span></span>
الكاتب: شكيب أرسلان
-----------------
<span class="footnote">