تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحجاز بأسا وأشدهم حزما وأكثرهم مالا، وهو لم يستطع أن يؤمن الطريق بين

مكة المكرمة والمدينة المنورة، فغيره من أهل الحجاز أولى بهذا العجز. فإذا فرضنا

أن المؤتمر الإسلامي اجتمع وقرر جلاء السلطان بجنوده من الحجاز فلا يشكون في أن

تنفيذه لقرارهم يكون مدعاة للفوضى وفقد الأمن في الحجاز، وامتناع مسلمي

الأقطار عن الحج والزيارة، وحينئذ يهلك أكثرهم جوعا إن لم يهلكوا بالثورات

والفتن.

(الأمر الثاني) أن أولاد الشريف حسين وغيرهم قد أيدوا في الحجاز

وسورية وفلسطين والعراق ما كان قد انتشر من دعوة العصبية العربية، والامتناع

من قبول تدخل أحد من الأعاجم في شأن الحكم والسلطان في شيء من البلاد

العربية، وكان غرضهم من هذه الدعاية معارضة ما دعا إليه سلطان نجد من

اشتراك زعماء جميع الشعوب الإسلامية في تقرير مستقبل الحجاز، وكان من

حججهم أن أكثر تلك الشعوب واقعة تحت سيطرة الدول الإفرنجية وغير مأمون

على رجالها من تأثيرهم، ثم بثت في الحجاز كله دعاية أخص من دعاية الجنسية

العربية، وهي دعاية الوطنية التي من مقتضاها أن تكون أمور الحجاز ومصالحه

بيد الحجازيين دون غيرهم من العرب، وقد راعوا هذه العصبية الوطنية في

مبايعتهم لسلطان نجد، وصرحوا بها في نص صيغة البيعة التي نشرناها في

الجزء السابق (9: 26) فبهذه النزعة الوطنية وتلك العصبية العربية نفروا من

تحكيم المؤتمر الإسلامي العام في أمر حكومتهم وحاكمهم، واقتصروا على

الانتفاع بقوة سلطان نجد في إقامة الحكم وحفظ الأمن في بلادهم تقديرا للضرورة

بقدرها، وقد رضي بذلك زعماء نجد، فكان رضاؤهم دليلا على إخلاصهم في حربهم

لحسين وعلي وعدم طمعهم في جعل الحجاز تابعا لنجد أو مرتبطا بها في إدارتها

وسياستها، ولو كانت هذه البيعة بمحض القوة- وهي موجودة بغير نكير- لما

رضي السلطان ولا رجاله بجعل إدارة الحجاز منفصلة عن إدارة نجد.

ومن الدلائل على إخلاص السلطان عبد العزيز عدم قبوله لما عرضه

عليه أهل الحجاز من المبايعة بالخلافة. وقد روى رجل من كبار الألمانيين كان في

جدة أن السلطان قال لهم إن أمر الخلافة لا يعنيكم وحدكم، بل يعني العالم الإسلامي

كله، فمتى وجد في الإسلام زعيم يقتنع العالم الإسلامي بزعامته وكفايته في القيام

بشؤون الإسلام - تعين أن يولوه هذا الأمر باقتناع زعماء شعوبهم أنه هو الذي

يجب اختياره لهذا المنصب.

إن العصبية الجنسية والعصبية الوطنية محرمتان في الإسلام، ولكن المسلمين

قد ابتلوا بهما في بلاد العرب والعجم جميعا، وهما اللتان فرقتا وحدة الإسلام قديما

وحديثا، وآخر رزايا العصبية الجنسية ما كان من ملاحدة الترك، وسيذوقون من

مرارة فعلتهم ما هو أدهى وأمر مما ذاق من قبلهم من الأمويين ومن بعدهم، ولا بد

لعلاج هذا الداء من حكمة وروية وصبر، وأن أولى المسلمين بالوحدة في هذا

العصر عرب الجزيرة ثم من يليهم، وأولى عرب الجزيرة بها الحجاز ونجد، لشدة

حاجة كل من القطرين إلى الآخر مع كون سكانهما من أهل السنة، ومع هذا رأينا

أن من الحكمة فصل إدارة كل منهما من الأخرى إلى أن يتم الاستعداد للوحدة.

وينبغي للمخلصين من زعماء المسلمين وأهل الغيرة والرأي منهم أن يقدروا

ما يعبر عنه أهل السياسة بالأمر الواقع قدره، ولا يجرمنهم ما ينكرون منه على

اتباع أهوائهم، والتعصب لآرائهم، فإن العاقل المخلص من يحاول الانتفاع في كل

حال بحسبها، وسنكتب مقالا خاصا فيما ينبغي عمله في الحجاز إن شاء الله تعالى.

-----------------

<span class="footnote">

(1) (المنار) : لم نسمع في هذا العصر عن ملك مسلم ولا خلفاء الترك مطالبة الدول الأوربية بحفظ حقوق المسلمين في بلادهم، ولكن هذا الملك العربي المسلم يطالبهم بحقوق العرب عامة وحقوق المسلمين كافة.</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٣٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٣٣٢