تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على علم وبصيرة، فلا يجوز للمسلم أن يمضي عليه ربع دقيقة من حياته تمر بدون

أن يعرف ربه على بصيرة، فالجامعة الإسلامية هي اجتماع المسلمين على هذه

المعرفة الحقيقية لا اجتماعهم في الرتب والوظائف) .

(إن الجامعة الإسلامية بالمعنى الذي أفهمه وأقرره هو اجتماع المسلمين

عامة على محبة الله تعالى وتوحيده وحده وصرف العبادة كلها إليه) .

(قالت) : واسترسل جلالته في هذا الموضوع وهو يغرف من بحر، ويتكلم

من قلب مملوء بالغيرة الدينية، ومفعم بالألم لتفرق المسلمين وتشتتهم.

ثم ذكر طرفا من العادات المبتدعة التي ما أنزل الله بها من سلطان مما يأتيه

بعض الناس خروجا عن الدين من جمع الأموال باسم المقابر وصرفها عليها، وأكلها

باسم تلك المقابر وما في ذلك من الخروج على كتاب الله وسنة رسوله ومخالفته

لإجماع المسلمين، وقال: إن أكثر الناس الذين يريدون بقاء هذه البدع المضلة

ويحافظون عليها لا يحملهم على ذلك إلا رغبتهم في اكتساب أموال الناس بالباطل،

ثم أورد في النهي عن ذلك آيات من كتاب الله وأحاديث من كلام رسول الله

صلى الله عليه وسلم اه.

***

نظرة في بيعة الحجاز لسلطان نجد

إننا عندما أنبأتنا الشركات البرقية بمبايعة أهل الحجاز لسلطان نجد ونصبه

ملكا عليهم، استغربنا ذلك وانتقدناه، وعددناه عجلة من هذا الرجل الذي كنا ربما

ننتقد منه طول أناته وسعة صبره، ورأينا أنه لو تربص بهذا الأمر حتى يجتمع

المؤتمر الإسلامي الذي دعا إليه لكان خيرا له، لأنه أقرب الوسائل إلى إقناع العالم

الإسلامي بصدقه وإخلاصه في تصديه لتطهير الحجاز من ظلم حسين بن علي

وأولاده، وبكونه هو الزعيم الوحيد الذي يقدر على حفظ الأمن وإقامة العدل في هذه

البلاد وإصلاح شؤونها.

وقد كان الشيخ حافظ وهبة مندوب السلطان هنا، فكشف لنا عن وجه السبب

الخفي في قبول السلطان عبد العزيز لهذه البيعة بإطلاعنا على برقية جاءته من

السلطان في ذلك، مصرحة بأنه لما رغب إليه أهل مكة أولا في البيعة أبى وامتنع

من القبول وطلب منهم إرجاء الأمر، حتى علم زعماء النجديين بذلك فأيدوا طلب

أهل مكة، فاعتذر لهم أيضا فلم يقبلوا عذره، بل أنذروه ترك طاعته إذا هو امتنع؛

لأنه امتناع من واجب حتم، وذكروا له في إنذارهم حديث (لا طاعة لمخلوق في

معصية الخالق) رواه أحمد والحاكم بهذا اللفظ، والشيخان وغيرهما بألفاظ أخرى.

وأنه حينئذ لم ير بدا من القبول، ثم جاءت جريدة (أم القرى) المكية مصرحة

بذلك، وقد نشرنا عبارتها في هذا الجزء، فعلمنا من هذا وذاك أنه لو لم يقبل

لكانت فتنة لا يعلم كنه عاقبتها إلا الله تعالى؛ لأن زعماء نجد من العلماء والقواد -

وكذا عامتهم - لا يطيعون سلطانهم؛ لأن له قوة من دونهم يستطيع بها إكراههم

على الطاعة، ولا يطيعونه كما يطيع غيرهم من قبائل العرب أمرائهم وشيوخهم

بالعصبية والاشتراك في المنافع، وإنما ميزتهم التي لا مشارك لهم فيها من كل وجه،

أنهم يطيعون إمامهم تدينا، لأن طاعته واجبة عليهم شرعا، ولهذا ينفرون إلى

القتال إذا استنفرهم على نفقة أنفسهم، ويقرب منهم في ذلك أكثر زيدية اليمن لا

جميع أهل اليمن مع إمامها، فإن أكثرهم لا يطيعون إلا مكرهين، وقد أمكن للسيد

محمد علي الإدريسي أن يستميل بالمال كثيرا من الزيدية لطاعته حتى في قتال

الإمام يحيى في صفوفه.

هذا وإن سبب استعجال أهل الحجاز ببيعة السلطان عبد العزيز آل سعود

أمران:

(أحدهما) علم أهل المعرفة والرأي منهم بأنه لا يوجد أحد من شرفائهم ولا

من سادتهم ولا من شيوخ قبائلهم القوية يمكنه أن يقوم بالأمر، ويقيم ميزان العدل،

ويحفظ الأمن في هذه البلاد؛ ليعود موسم الحج والزيارة كما كان، وخيرا مما كان.

كما يقوم بذلك هذا الرجل بما وراءه من قوة النجديين التي يخشى بأسها عرب

الحجاز وغيرهم من أهل جزيرة العرب، فإن الشريف حسينا كان أقوى زعماء

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٣٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٣٣١