مفتوحة في سائر الأوقات، إن الهواء غذاؤنا مدة الأربع والعشرين ساعة من اليوم
والليلة، فلماذا نحن نخاف منه؟ إن من الخرق أن نتوهم أن استنشاق النسيم البارد
يحدث الزكام والبرد، لا ريب أن الذين أفسدوا رئاتهم بعادتهم القبيحة من النوم في
الحجر المغلقة أبوابها ربما يصابون بالبرد إن غيروا عادتهم فجأة، ولكن مع ذلك لا
ينبغي لهم أن يخافوا من البرد؛ لأنه إن أصابهم لا يلبث أن يزول قريبا، لقد شيدت
البيوت للمسلولين في هذه الأيام بحيث يدخل فيها الهواء النقي كل وقت.
نحن كلنا نعرف تلك الداهية الدهماء من الأوبئة التي لا تزال تعاودنا معشر
الهنود في كل آونة وحين، وقليل منا من يعرف أن هذه الأوبئة ليست إلا نتيجة
لإفسادنا الهواء، ثم استنشاقنا إياه على فساده وسمومه. لنعلم أن الهواء النقي إن
استنشق بالطريقة العلمية يفيد حتى ضعاف البنية جدا. إننا إن نحافظ على نقاء
الهواء، ونتعود استنشاق الهواء النقي وحده، فإننا بلا ريب نحمي أنفسنا من كثير
من الأمراض الخبيثة المعدية.
إن كشف الوجه في أثناء النوم ضروري كضرورة النوم في الهواء الطلق
ولكن قد تعود كثير من الناس أن يغطوا وجوههم أثناء النوم فيستنشقون الهواء
المسموم الذي يخرجونه من أجوافهم، ولو لم يكن بعض الهواء يدخل إليهم من منافذ
الغطاء لماتوا اختناقا في مكانهم، غير أن هذا الهواء القليل لا يكفي لبقاء الصحة.
إن كنا نغطي الوجه خوفا من البرد فينبغي أن نكتفي بغطاء الراس بطرف من
الثوب أو أن نلبس طاقية (أو كوفية) النوم، ولكن يجب أن يبقى الأنف مكشوفا
في جميع الأحوال والأوقات.
إن الهواء والنور مرتبطان ارتباطا شديدا، ولذلك يحسن بنا أن نقول هنا كلمة
في قيمة النور أيضا: إن النور ضروري للحياة كضرورة الهواء لها، ولذلك
وصفت جهنم بأنها مظلمة حالكة. إن المكان الذي لا ينفذ إليه النور لا يمكن أن
يكون نقي الهواء، فإننا إذا دخلنا حجرة مظلمة نشم حالا رائحة الهواء الفاسد بشدة،
ولا نستطيع أن نرى شيئا في الظلام، فهذه الحقيقة نفسها تثبت جليا أن الله تعالى
أراد منا أن نعيش ونعمل في النور، إن الطبيعة قد هيأت من الظلام في الليل القدر
الذي نحتاج إليه، ولكن تعود مع ذلك كثير من الناس الجلوس والنوم في السراديب
تحت الأرض، حيث لا يصل النور والهواء حتى في أحر الأيام وأنورها، إن
أولئك الذين يحرمون أنفسهم من الهواء والنور تجازيهم سنن الطبيعة جزاء وفاقا،
فيصابون بنحافة الجسم، واصفرار الوجه، وقبح المنظر.
يصف كثير من أطباء الغرب الآن لمرضاهم الاستحمام الهوائي والاستحمام
الشمسي بدلا من الأدوية، وقد شفي ألوف من المرضى بتعرضهم للهواء والشمس
بدون أن يستعملوا أي دواء، فلذلك يجب علينا أن نترك جميع أبواب بيوتنا
ونوافذها مفتحة دائما؛ ليدخل فيها النور والهواء بكثرة.
رب سائل يسأل: إذا كان الهواء والنور ضروريين إلى هذه الدرجة فلماذا لا
يبدو الضرر البين على أولئك الذين يعيشون ويشتغلون في الحجر المظلمة؟ إن
الذين تدبروا في المسألة مليا لا يسألون هذا السؤال.
يجب أن يكون مطمح أنظارنا المثل الأعلى من الصحة، والوصول إليه بجميع
الوسائل المشروعة، لا مجرد العيشة كيفما أمكن. ولقد ثبت بطريقة لا تحتمل الريب
أن قلة الهواء والنور تجلب الأمراض؛ ولذلك ترى سكان المدن أضعف من سكان
القرى، قضية مطردة، وما ذلك إلا لأن نصيب سكان المدن من الهواء والنور أقل
من نصيب سكان القرى، فالهواء والنور على هذا من أعظم لوازم الصحة، فيجب
على كل واحد أن لا يتهاون في أمرهما، بل يتذكر دائما كل ما قلناه في المسألة،
ويعمل بموجبه بأقصى ما يستطيع.
(للكلام بقية)
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) المنار: جرى المؤلف هنا على رأي فلاسفة اليونان والهند والعرب في العناصر، وزاد (الأثير) وهو عند علماء هذا العصر بالكون أصل ومنشأ الوجود، ولكنه مفروض فرضا غير ثابت علما، ويعللون به كل ما يدل على وجود الخالق سبحانه من نظام العالم وأطواره.</span></span>