ما ينقلونه عن عمر أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يتحدثان
وكنت كالزنجي بينهما، فهذا كذب باتفاق أهل العلم بالأثر، وبتقدير صدقه فهو
مجمل، فإذا قال أهل الإثبات: كان ما يتكلمان فيه من هذا الباب لموافقته ما نقل
عنهما كان أولى من قول النفاة: إنهما يتكلمان بالنفي، وكذلك حديث جراب أبي
هريرة لما قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين، أما أحدهما
فبثثته فيكم وأما الآخر فلو بثثته لقطعتم هذا البلعوم؛ فإن هذا حديث صحيح لكنه
مجمل، قد جاء مفسرا أن الجراب الآخر كان فيه حديث الملاحم والفتن، ولو قدر
أن فيه ما يتعلق بالصفات فليس فيه ما يدل على النفي بل الثابت المحفوظ من
أحاديث أبي هريرة كحديث إتيانه يوم القيامة وحديث النزول والضحك وأمثال ذلك
كلها على الإثبات، ولم ينقل عن أبي هريرة حرف واحد في النفي من جنس قول
النفاة.
***
مذهب الجهمية في الصفات
وأما الجهمية المتكلمة فيقولون: إن القرينة الصارفة لهم عما دل عليه
الخطاب هو العقل، فاكتفى بالدلالة العقلية الموافقة لمذهب النفاة، فيقال لهم:
(أولا) فحينئذ إذا كان ما تكلم به إنما يفيدهم مجرد الضلال، وإنما
يستفيدون الهدى من عقولهم، كان الرسول قد نصب لهم أسباب الضلال، ولم
ينصب لهم أسباب الهدى، وأحالهم في الهدى على نفوسهم، فيلزم على قولهم أن
تركهم في الجاهلية خير لهم من هذه الرسالة التي لم تنفعهم بل ضرتهم.
ويقال لهم (ثانيا) : فالرسول صلى الله عليه وسلم قد بين الإثبات الذي هو
أظهر في العقل من قول النفاة، مثل ذكره لخلق الله وقدرته ومشيئته وعلمه ونحو
ذلك من الأمور التي تعلم بالعقل أعظم مما يعلم نفي الجهمية، وهو لم يتكلم بما
يناقض هذا الإثبات، فكيف يحيلهم على مجرد العقل في النفي الذي هو أخفى وأدق،
وكلامه لم يدل عليه بل دل على نقيضه وضده، ومن نسب هذا إلى الرسول صلى
الله عليه وسلم فالله حسيبه على ما يقول.
والمراتب ثلاث، إما أن يتكلم بالهدى أو بالضلال أو يسكت عنهما، معلوم
أن السكوت عنهما خير من التكلم بما يضل، وهنا يعرف بالعقل أن الإثبات لم
يسكت عنه بل بينه، وكان ما جاء به السمع موافقا للعقل، فكان الواجب فيما ينفيه
العقل أن يتكلم فيه بالنفي كما فعل فيما يثبته العقل، وإذا لم يفعل ذلك كان
السكوت عنه أسلم للأمة.
أما إذا تكلم فيه بما يدل على الإثبات، وأراد منهم أن لا يعتقدوا إلا النفي،
لكون مجرد عقولهم تعرفهم به فإضافة هذا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من
أعظم أبواب الزندقة والنفاق.
ويقال لهم (ثالثا) : من الذي سلم لكم أن العقل يوافق مذهب النفاة؟ بل
العقل الصريح إنما يوافق ما أثبته الرسول، وليس بين المعقول الصريح والمنقول
الصحيح تناقض أصلا، وقد بسطنا هذا في مواضع بينا فيها أن ما يذكرون من
المعقول المخالف لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما هو جهل وضلال،
تقلده متأخروهم عن متقدميهم وسموا ذلك عقليات، وإنما هي جهليات، ومن طلب
من تحقيق ما قاله أئمة الضلال بالمعقول لم يرجع إلا إلى مجرد تقليدهم، فهم
يكفرون بالشرع ويخالفون العقل تقليدا لمن توهموا أنه عالم بالعقليات، وهم مع
أئمتهم الضلال كقوم فرعون معه، حيث قال: ﴿فاستخف قومه فأطاعوه﴾ (الزخرف: 54) ، قال تعالى عنه: {واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير
الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف
كان عاقبة الظالمين} (القصص: 39 - 40) ، {وجعلناهم أئمة يدعون إلى
النار ويوم القيامة لا ينصرون} (القصص: 41) ، {وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة
ويوم القيامة هم من المقبوحين} (القصص: 42) ، وفرعون هو إمام النفاة؛ ولهذا
صرح محققو النفاة بأنهم على قوله، كما يصرح به الاتحادية من الجهمية من
النفاة، إذ هو الذي أنكر العلو وكذب موسى فيه، وأنكر تكليم الله. لموسى قال