تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومعلوم أن من اعتقد هذا في الرسول والمؤمنين فله أوفر حظ من قوله تعالى:

{ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله

ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} (النساء: 115) .

فإن القائل إذا قال: هذه النصوص أريد بها خلاف ما يفهم منها، أو خلاف

ما دلت عليه، أو أنه لم يرد إثبات علو الله نفسه على خلقه، وإنما أريد بها علو

المكانة ونحو ذلك، كما قد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع، فيقال له:

فكان يجب أن يبين للناس الحق الذي يجب التصديق (به) باطنا وظاهرا، بل

ويبين لهم ما يدلهم على أن هذا الكلام لم يرد به مفهومه ومقتضاه، فإن غاية ما

يقدر أنه تكلم بالمجاز المخالف للحقيقة، والباطن المخالف للظاهر، ومعلوم باتفاق

العقلاء أن المخاطب المبين إذا تكلم بمجاز فلا بد أن يقرن بخطابه ما يدل على

إرادة المعنى المجازي، فإذا كان الرسول المبلغ المبين الذي بين للناس ما نزل إليهم

يعلم أن المراد بالكلام خلاف مفهومه ومقتضاه، كان عليه أن يقرن بخطابه ما

يصرف القلوب عن فهم المعنى الذي لم يرد، لا سيما إذا كان باطلا لا يجوز

اعتقاده في الله، فإن عليه أن ينهاهم عن أن يعتقدوا في الله ما لا يجوز اعتقاده إذا

كان ذلك مخوفا عليهم، ولو لم يخاطبهم بما يدل على ذلك، فكيف إذا كان خطابه

هو الذي يدلهم على ذلك الاعتقاد الذي تقول النفاة: هو اعتقاد باطل، فإذا لم يكن

في الكتاب ولا السنة ولا كلام أحد من السلف والأئمة ما يوافق قول النفاة أصلا،

بل هم دائما لا يتكلمون إلا بالإثبات - امتنع حينئذ أن لا يكون مرادهم الإثبات،

وأن يكون النفي هو الذي يعتقدونه ويعتمدونه، وهم لم يتكلموا به قط ولم يظهروه،

وإنما أظهروا ما يخالفه وينافيه، وهذا كلام مبين لا مخلص لأحد عنه، لكن

للجهمية المتكلمة هنا كلام وللجهمية المتفلسفة كلام.

***

مذاهب متفلسفة القرامطة في الصفات

أما المتفلسفة القرامطة فيقولون: إن الرسل كلموا الخلق بخلاف ما هو الحق،

وأظهروا لهم خلاف ما يبطنون، وربما يقولون: إنهم كذبوا لأجل مصلحة

العامة، فإن مصلحة العامة لا تقوم إلا بإظهار الإثبات، وإن كان في نفس الأمر

باطلا. وهذا مع ما فيه من الزندقة البينة والكفر الواضح قول متناقض في نفسه،

فإنه يقال: لو كان الأمر كما تقولون والرسل من جنس رؤسائكم، لكان خواص

الرسل يطلعون على ذلك، ولكانوا يطلعون خواصهم على هذا الأمر، فكان يكون

النفي مذهب خاصة الأمة وأكملها عقلا وعلما ومعرفة، والأمر بالعكس، فإن من

تأمل كلام السلف والأئمة وجد أعلم الأمة عند الأمة: كأبي بكر وعمر وعثمان

وعلي وابن مسعود ومعاذ بن جبل وعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وأبي بن

كعب وأبي الدرداء وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو،

وأمثالهم هم أعظم الخلق إثباتا، وكذلك أفضل التابعين مثل سعيد بن المسيب وأمثاله،

والحسن البصري وأمثاله وعلي بن الحسين وأمثاله، وأصحاب ابن عباس وهم

من أجل التابعين، بل المنقول عن هؤلاء في الإثبات يجبن عن إظهاره كثير من

الناس، وعلى ذلك تأول يحيى بن عمار وصاحبه شيخ الإسلام أبو إسماعيل

الأنصاري، ما يروى أن من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه إلا أهل العلم بالله، فإذا

ذكروه لم ينكره إلا أهل الغرة بالله، تأولوا ذلك على ما جاء من الإثبات، لأن ذلك

ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والسابقين والتابعين لهم بإحسان، بخلاف

النفي فإنه لا يؤخذ عنهم، ولا يمكن حمله عليه.

وقد جمع علماء الحديث من النقول عن السلف في الإثبات ما لا يحصي عدده

إلا رب السموات، ولم يقدر أحد أن يأتي عنهم في النفي بحرف واحد إلا أن يكون

من الأحاديث المختلقة التي ينقلها من هو أبعد الناس عن معرفة كلامهم.

ومن هؤلاء من يتمسك بمجملات سمعها، بعضها كذب وبعضها صدق، مثل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٣٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٣٠٧