توحيد كلمتها، وتشديد ارتباط بعضها مع بعض، هذه كلمة صدق قلتها لكم، وأريد
أن أقولها مرة بعد أخرى، فإن قلبي قد ملئ بها إذعانا وإيقانا، وخاصة في زماننا
هذا، خير الأمور التي تستحق أن يجهد في سبيله من يريد الجهاد في سبيل الأمة
وسبيل الدين، بل وفي سبيل الله، هو أن يجاهد في جمع الكلمة المتفرقة لمسلمي
العالم حيثما يمسون، وفي أي قطر يصبحون؛ لأن التشتت والتفرق فقط هو
(أدوى) داء حل بهم، وأهبطهم في هاوية، وما أدراكم ماهيه، إنها هي كون
المسلمين عبيدا للأجانب حتى في أوطانهم، بعد ما كانوا مولى العالم في الشرق
والغرب.
وها هي (ذي) حقيقة ثابتة لا يسعها الخلاف، جديرة بأن تنظروا إليها. إن
الأمة المسلمة قوية الرجاء بين الأمم، لا تقنط قنوطا يحكم عليها بالهبوط الثابت،
وبالسبات الدائم، بل كلما قامت لها قيامة رقدت من نوم غفلتها، وانتبهت فقامت
وسارت سير التقدم والرقي، ألا ترون أنها بعدما صدمت بصدمات غارات التتر
والحروب الصليبية جمعت بعد زمن يسير تحت لواء الخلافة الإسلامية العثمانية،
وساقت الجيوش إلى أنحاء العالم، ودوخت البلاد، وأرغمت أنوف السلاطين،
حتى دانت لها الدول الإفرنجية، ونفذت أوامرها في الشرق والغرب؟ لا ريب في
أن هذه الأيام كانت للأمة المسلمة أياما بيضاء حسانا، كأنما رجع لها الدهر بأيام
الخلافة العباسية التي لا نظير لها في تاريخ الأمة، ثم بعد ذلك بحكم {وتلك الأيام
نداولها بين الناس} (آل عمران: 140) قلب لها الدهر ظهر المجن، فأخذت
تنزل من منزلتها الرفيعة، ودست لها الدول الإفرنجية الدسائس، فتفرقت كلمتها،
وتمزقت جمعيتها، حتى ما بقيت دار من دور المسلمين إلا فيها الأمر والحكم
للأجانب إلا ما شاء الله.
ومع هذا كله ارجعوا البصر إلى ما وقع في زماننا هذا من انتصار الجيوش
الإسلامية القاهرة تحت قيادة سيف الله المسلول، آية من آياته الكاملة، الغازي
مصطفى كمال باشا أيده الله بنصر مزيد، فإنها لما سمعت انتصاره على اليونان،
وانتزاعه الدولة العلية من مخالب الأعداء، فاهتزت لها نفوسها، وأحدث هذا الفوز
حركة قوية في طباعها، حتى خافت عواقبها الدولة التي هي أقوى دول العالم
وأعدى عدى الإسلام والمسلمين، وجعل يسعى أربابها في تسكين جأشهم بقولهم
الزور أن نعوذ بالله أن نكون من أعداء الإسلام والمسلمين (والله يعلم ما يسرون
وما يعلنون) .
نعم قلت: إن الأمة المسلمة هي قوية الرجاء، ولها ميل شديد إلى الوحدة كما
هي اجتمعت بعد الانتشار تحت لواء الخلافة الإسلامية العثمانية، فقويت بها
شوكتها، وارتقت ارتقاء نهائيا، مع هذا كله نقول: مما لا ريب فيه أنه كان ما
كان لها من جهة دنياها لا من جهة دينها، والحق أن سر ضعفها الحقيقي كان
مضمرا في دينها؛ ولأجل ذلك ما مضت من أيام شوكتها أيام تذكر، حتى حصل
السبات ونامت، فكأنما كان لها ذاك الحراك تحولا من شق إلى شق آخر في نومها
فأقول لكم يا مولانا قول خبير بصير: إنه لا نجاح لمن يريد خدمة الأمة المسلمة إلا
بدعوتها إلى الاعتصام بحبل دينها، والاقتداء بأحكام شريعتها، فإن لدين هذه الأمة
وشريعتها سلطانا على أنفسها لا يماثله سلطان الحمية الوطنية والنعرة الجنسية،
فكلما دعيت إليها تحركت لها جؤوشها، واهتزت لها نفوسها، ولبت واجتمعت،
فحينئذ تتنزل الملائكة عليها، ويؤيدها الله بروح منه، ويتحقق معنى الآية المباركة
﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ (محمد: 7) .
فالشريعة مورد هذه الأمة ومصدرها، والمسلمون كلهم بحكم شريعتهم
ونصوصها الصريحة مجبولون على الوحدة، والجبلة لا تزول، وإن كانت الجبال
عن مقامها تزول، وكيف يمكن هذا والقرآن يتلى بينهم، فيتلون منه صباحا ومساء
الآيات المحرضة على الوحدة والوفاق ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾ (آل عمران: 103) ﴿وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ (الأنفال: 46) ، وأمثالها كثيرة لا حاجة إلى سردها هنا.