تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجهل فقط هو داء الشرق، ونشر العلوم وتوسيع نطاق المعارف فيه دواؤه؟ هل

تجزمون بأن التعارف العلمي والتضامن الأدبي يؤول على أبناء الشرق بالسعادة

الدنيوية والدينية (التي) تسعد بها الأمم؟ وهل تظنون أن قلوب أبناء الشرق تكون

لها الطمأنينة، وقريحتهم تكون لها السكينة، ويد الأجانب عاملة في شؤونهم تدبر الأمر كيفما تشاء؟ لا والله لا.

نعم ربما يظن قوم في هذه الأزمان أيضا - مع أن التجارب تعرض عنه

والشواهد تنكره - أن نشر الجرائد، وتأسيس المدارس، وبث العلوم، وتوسيع

نطاق المعارف، أدوية تعالج بها أمراض الأمم المصابة، وأنها هي أسباب تكفل

إنهاض الأمم، وتنبيه أفكارها، وتقويم أخلاقها، ولكن الحق أنه ليس الأمر كذلك.

المدارس في الشرق كثيرة، والجرائد تزداد فيه أعدادها يوما بعد يوم، وللعلوم

والمعارف دور كثيرة في كل قطر من الأقطار، فمع هذه كلها ما هذا الذل والفقر

والعبودية؟ هل صارت بوجود هذه الأسباب التي يظن سعادة الأمم نتيجة لها أحسن

حالا مما كانت عليه قبل زماننا هذا؟ هل استنقذت أنفسها من أنياب الفقر والعسرة؟

هل نجت بها من ورطات الذل والعبودية؟ هل أحكمت الحصون، وسدت الثغور؟

هل نالت بها المنعة والمنة [3] التي تدفع بها غارة الأعداء؟ لا والله لا.

فمع هذا كله إلى أي شيء تدعون الأمم الشرقية عموما والمسلمين خصوصا،

وإلى أي سبيل مسيركم؟

واعلموا يا مولانا أن أول أمر يجب الاهتمام به هو معرفة أصل الداء وأسبابه

الحقيقية، أيمكن لطبيب يعالج مريضا أن يختار له نوعا من العلاج قبل أن يعرف

ما عرض له من المرض، وما هو سببه؟ كلا ثم كلا، نعم يمكن أن يكون هذا

سير من ليس له الحظ الأوفى من الحذق والكمال، ويكون متطببا لا طبيبا، فعلى

الطبيب الحاذق أن يهتم قبل كل شيء بمعرفة أصل الداء وأسبابه، ثم بطريق

علاجه وتعيين دوائه؛ لكي لا يكون الداء أصعب والدواء أعز، فإن معالجة

المرض قبل تعيين أسبابه لا تزيد إلا شدة في المرض، وصعوبة على المريض،

بل ربما تفضي به إلى الموت، فأقول (وهذا قولي في مسألة الأمة المسلمة

خاصة، وأما مسألة الأمم الشرقية فلست الآن بصددها، ويمكن أن أجرد لها فصلا

آخر إن ساعدتني الفرصة) .

إن أول مرض لحق الأمة المسلمة هو تشتت أهوائها، وتخالف أميالها، الذي

فرق جمعها وبدد شملها، حتى ذهب كل واحد منها إلى ما قاده إليه هواه من غير أن

يراعي جانب الأمة، ويستحفظ فوائدها، أو أن يلتفت إلى ما يمسها، ويهتم بالدفاع

عنها.

انظروا أيها الفاضل الجليل كيف كان بدء الانحلال والضعف في روابط الملة

الإسلامية من جهة دينها ودنياها عندما انفصلت الرتبة العلمية عن رتبة الخلافة على

عهد العباسية، حيث قنع الخلفاء العباسيون باسم الخلافة دون أن يستجمعوا شرف

العلم والتفقه في الدين، فكثرت بذلك المذاهب، وانفصلت فيها المسالك، ووقع في

الدين الإسلامي تشعب لا مثيل له في دين من الأديان، وكان هذا في مستهل القرن

الثالث من الهجرة النبوية، وبعد ذلك عمت هذه السيول، واندفعت على كل قطر

من أقطار العالم الإسلامي، حتى ما بقي موضع ليسكن فيه الاثنان من المسلمين إلا

وهما المختلفان في المذهب، هذا من جهة دينهم، وأما من جهة دنياهم فاشتد ذلك

الخلاف، وزاد بظهور المغول الذين أوقعوا بالمسلمين قتلا وإذلالا، حتى أذهلت

الأمة عن أنفسها، وتقطعت الوشائج وانفصمت عرى الاتصال بينهما، فتفرق

الشمل بالكلية، وافترق الناس فرقا وشيعا [4] .

هذه هي الداهمة التي دهمت الأمة المسلمة، وطوحتها في غيابة الذل والهوان

وقعر الخمول والسكران [5] ، وما انتبهت وصحت إلى يومنا هذا انتباها صحيحا

وصحوا كاملا، فالأمر واضح، والطريق ليس بملتبس على من يريد أن يسلك في

سبيل إيقاظها وإنهاضها طريقا مستقيما غير معوج، وما هو إلا السعي في سبيل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٢٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٢٥٦