خصوصا)
لا شك أن الطريقة التي كانت مستعملة في التربية العربية جديرة بأن نعمل
بها، غير أن مقتضيات الأحوال في زماننا الحاضر ومكاننا الخاص توجب علينا
اتباع تلك الطريقة بعد أن ندخل فيها من التكميلات ما تكون به موافقة لحالتنا الحالية،
وهذه التكميلات تنتظم في سلك جملة أنواع:
(الأول) لما كان النوع الإنساني في العصر الحالي بالغا مبلغا عظيما في
المدنية المحتاجة إلى سعة المعارف وإتقان ضبط الأمور - لزم أن تكون الطريقة في
تربية الناشئة هي تعليمهم باللسان والقلم معا، ليكون الفهم منها ذا أذنين، والكلام ذا
لسانين، ومن أجل ذلك كان من أصول التربية المتحتمة في أيامنا هذه تعليم كل
إنسان القراءة والكتابة؛ لأن محاربة الأمية في عصرنا هي الجهاد الأكبر،
واستئصالها هو فتح الفتوح.
(الثاني) بما أن أحوال الوقت الحالي أوجبت أن يكون الطرف الأعظم من
التربية حاصلا في (المدارس) تعين بسبب الاجتماع المدرسي أن يكون كل نوع
من أنواع التربية التي شرحناها آنفا على كيفية خاصة كافلة بالنجاح.
***
الكيفية التي يجب أن تكون
عليها التربية الفكرية
في المدارس
هذه الكيفية لا بد في حصولها من جملة أمور.
(الأول) أن تقسم التلامذة فرقا على حسب درجات عقولهم ومقدار معارفهم،
وأن يخصص لكل فرقة المكان المناسب لها المستوفي للشروط الصحية، وأن
ينتخب لها من يليق من المربين والمعلمين الذين تحلوا بصفات الكمال.
(الثاني) أن يعطى لكل فرقة في زمن محدد مقدار من العلوم أو الفنون
مناسب لمداركها، ولائق بذلك الزمن بحيث يمكن تقريره في مدته تقريرا تاما.
(الثالث) أن يعين لكل علم أو فن الوقت المناسب له من اليوم والأسبوع
على حسب أهميته ومقدار منفعته.
(الرابع) أن تعتبر القراءة والكتابة أساس التعليم، فتضمن الأصول التي
تتفرع منها العلوم والفنون.
(الخامس) أن يكون التعليم على الطريقة العربية التي شرحناها بحيث
يبتدئ بالمحسوسات، ثم يعقب بالمعنويات، ويقدم السهل على الصعب، والمعلوم
قبل المجهول، ويكون في جميع الأحوال إرشادا جميلا عربيا لجميع القوى العقلية
باعثا للشوق إلى المعارف.
(السادس) أن يكون درس الأشياء على نفس الأشياء بقدر الإمكان بحيث لا
يعين على صورها أو وصفها وتمثيلها بالكلام إلا إذا تعذر إحضارها، وأن يتوجه
بالتلامذة حينا فحينا إلى الأماكن التي يطلعون فيها على ذوات الأشياء الطبيعية
والصناعية.
(السابع) أن يكون في مقدمات التعليم تنوير عقول التلامذة بنور الدين
الحنيفي وتغذيتها بالحكم العربية.
-----------------
<span class="footnote">
(1) فضلا عن كذا: يستعمل في سياق - كقولك: لا يملك الدرهم فضلا عن الدينار - النفي ويستغنى عنه هنا بمثل: نير في نفسه وهو على ذلك منور لغيره.
(2) وفي نسخة: ويوم الوغي مثل الليوث الكواسر.
(3) المعاثر: أنواع العثار أو مواضعه، ويجوز أن تكون محرفة عن المعاير من العار.
(4) في الأصل طويلا أزمانا، ولعله من سهو النسخ.
(5) قوله: المعنى الثالث يريد يه الثالث من الصفات المودعة في البيت التي ذكرها عقب ذكره، وهي الحلم والغضب والعقاب، لا للمعاني التخيلية التي للأول منها.</span></span>
الكاتب: أحمد بن تيمية
-----------------
<span class="footnote">