تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بنظره الاستقرائي إلى أن ما وراءها هو الحلم لا العجز، وعلامة الغضب تتبين في

الحركات وتظهر على الوجه، وبالأخص في العينين، ويفهمها الإنسان من أول

وهلة، ومن غير نظر ولا ترو، غير أنه لا بد من التأمل في أسباب الغضب في

كل مرة يحدث فيه، حتى يستنتج أنه إنما يحصل للجد والحق لا للأهواء

والشهوات.

وأما العقاب المؤلم، فهو من المعاني العقلية الصرفة باعتبار أنه من قبيل

الفعل الغامز المقابل لبقية الأغراض، فإذا اعتبر فعلا خاصا فتارة يكون معقولا

كحرمان المعاقب من الرضا مثلا، وتارة يكون محسوسا كضربه بالسوط مثلا.

فتلخص أن المعاني الأصلية التي أودعها الحطيئة في ذلك البيت ثلاثة، وأن

طرق إدراكها مختلفة بين الوجدان وبين الفهم مع التعقل، وبين الحس أو العقل

الصرف غير أن المعنى الأول وهو حلم القوم صاغه الشاعر في قالب تخيلي

اختراعي، حيث صور بهيئة الحكم الحملي الإيجابي، وحالة القوم المالكين لنفوسهم،

الموطنين لها على تحمل آلام التعدي أو المخالفات والصبر عليها أزمانا طوالا [1]

رغبة في السرور الذي تناله بإرجاع المخالفين إلى الحسنى - بحالة الرائضين للخيل،

الصابرين على حرانها، طلبا للذة تذليلها والانتفاع بها، أو بحالة السائسين للرعايا،

المتحملين لتعللاتها، انتظارا للفرح بسلوكها الجادة القويمة. ولا يخفى ما دخل

في تركيب ذلك التخيل الاختراعي من المعاني وهي (السياسة) و (الأشخاص)

التي نسبت إليهم و (العقول) المسوسة و (طول التأني) الموصوفة به العقول،

فالأشخاص إدراكها حسي، وما عداها فعقلي.

ثم إن المعنى الثالث [2] وهو عقاب القوم المؤلم أفاده ضمنا في قوله: (جاء

الحفيظة والجد) حيث جعل غضبهم هو الغضب الحقيقي والجد الذي لا هزل معه،

وهذا يستلزم استتباع حفيظتهم للنكال، وتلك هي الحكمة في صوغ المعنى الثاني

في صيغة الحكم الشرطي الإيجابي، والبيت الثاني وهو:

أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا

وضح فيه مطلوبه من اللائمين وما يتمناه فيهم، فتمنى فيهم - ونعوذ بالله -

الخذلان وعدم الناصر، وهو معنى متصور له عقلا وتمنيه معروف له بالوجدان،

وطلب منهم أحد أمرين: إما ترك لوم الممدوحين، وإما القيام مقامهم، وكل منهما

معنى متصور عقلا، وكل من رغبة الأول وكراهة الثاني - لو أمكن حصوله

وجدانية - وطلب حصول المعنى الثاني مبين بصورة اختراعية يتناولها الحس في

البناء، والبيت الثالث وهو:

أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا

أسفر فيه عن ثلاث صفات: إحكام الأعمال، والوفاء بالمعاهدات، والدوام

على صفاء المحالفات، أما الصفة الأولى فهي معنى عقلي قامت لدى الشاعر

الدلائل الحسية والمعنوية على اتصاف القوم به، فصوره بصورة تخيلية اختراعية

ضمنها الحكم الشرطي الإيجابي المحتوي على معنى البناء الحسي ومعنى الإحسان

المعنوي المنسوب إلى الأشخاص المدركة بالحس، وكل من الصنفين الآخرين

معنى وجداني معبر عنه بصيغة الحكم الشرطي الثبوتي، وكلتاهما تحتاج إلى نظر

ودليل في ثبوتهما للقوم، والصفة الأخيرة وبينها الشاعر على أسلوب تخيلي لا

تخفى المعاني التي تكون منها.. . إلخ.

ومن يتفهم باقي هذا الشعر كغيره من كلام العرب نظما ونثرا على الكيفية

التي شرحنا بها معاني الأبيات السابقة يتضح له أن عقول العرب كانت نيرة،

مدربة على ملاحظة الأمور، متفطنة لدقائقها، ماضية في استحضار المعاني

ومقارنتها، مصيبة في النظر بين أطرافها، وتقرير النسب بينها، قادرة على كشف

خفاياها وإبراز المعقول منها في صورة المحسوس، ولا يخفى أن ذلك نتيجة

تربيتها الفكرية على الطريقة الطبيعية العملية.

***

بيان الطرق العمومية

(لأجل الوصول إلى مثل التربية العربية وتكميلها في أمتنا بواسطة المدارس

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٢٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٢٤٨