وكان يمشي في طول الأرض وعرضها، فيصعد الجبال والآكام، ويجوب
البراري والقفار، يعبر الأنهار، ويشرف على البحار، وينزل في القرى
والأمصار، فكان يعرف البلاد في مواضعها، ويطلع على الأراضي في مواقعها.
وكان يحضر النوادي، ويسمع فيها أخبار الأولين وسير الماضين، من
أفواه المعمرين والعالمين بأيام الناس، ويشاركهم برأيه في استحسانها أو استقباحها.
وكان يحصي عدة الأشياء بعقله، ويحسبها جمعا وتفريقا في نفسه، وكان
يرسم أشكال الأشياء في ذهنه، ويقدر الأبعاد والمسافات بنظره.
وكان يتلقى اللغة حية صحيحة عن أهلها، فكان يسمع الكلمات بأذنه،
ومعانيها حاضرة لحواسه أو متمثلة لعقله، وكانت تصور له الأشياء البعيدة عن
حسه، أو الغريبة عن عقله، بمشابهاتها المحسوسة له أو المعروفة لديه، وتطرق
مسامعه الأساليب الكلامية البديعة، التي يرى تأثيرها في الناس ولطف مأخذها
بقلوبهم، وحسن مدخلها على أفهامهم، فكان يتلقن اللسان العربي المبين عن أرباب
البلاغة العظيمة، فيحاكيهم في البيان، ويجادلهم في القول، ويسابقهم إلى الإبداع
والاختراع.
***
وأما في التربية الأدبية
فكان يتأدب بآداب القوم الذين يعيش بين ظهرانيهم على وجه التأسي بهم،
فكان يرى القناعة غالبة عليهم فيتخلق بها، ويجد العفة سائدة فيهم فيتحلى بها،
وينظر إلى الكرم وهو منتشر فيهم فيتخذه شيمة له، وهكذا في سائر الأخلاق والشيم،
كان يوجبها على نفسه اقتداء بأفعالهم وأحوالهم، واتباعا لما يصدر عنهم من
الحكم الساطعة، وعملا بما يضربونه من الأمثال السائرة.
***
وأما في التربية الجسمية
فكان نفس إقليم العرب وأحوال معايشهم حاملة للناشئ بينهم على مباشرة
الأعمال التي تكسبه قوة الجسم، وصلابة الأعضاء، وخفة الحركات، ما بين
انتجاع للمرعى، وارتياد للماء، وسفر لمبادلة المنافع، وما يقتضيه الحل والترحال،
من تحميل الأثقال وتنزيلها، ونصب البيوت وتقويضها، وسلوك السهول
والأوعار في برد الليل وحر النهار، ولا يخفاك ما يلزم من البأس الشديد لمن
يعيش بين الحيوانات الضارية والسباع الكاسرة، ومن يكون عرضة في كل وقت
للإغارات التي تسوقها الأطماع؛ ولذلك كان العربي دائما في التمرن على المجالدة
أو المصارعة أو المجاراة أو المطاردة، أو الفروسية وركوب الخيل، أو غير
ذلك من الأعمال التي تجعل الجسم كالحديد، والأعضاء في حركاتها أسرع من
الريح الشديد , ثم إنه كانت تتربى له من كثرة مشاهدة الحروب، وطول مجاورة
الليوث، جراءة وبسالة وقوة نفس، لا يخاف معها لا من مخالب الأسود ولا من
أسلحة الصناديد.
***
الطريقة التي كانت متبعة
في التربية العربية
وبيان أنها طبيعية عملية
من نظر في طبيعة الإنسان ومعلوماته، وكان له معرفة بالتجارب الإنسانية
يجد بين ذلك وبين الطريقة التي كانت مستعملة في التربية العربية تمام الموافقة.
أما في تربية العقول
فلأن الإنسان بالطبع إنما يحصل على المعارف الأولية من طريق الحواس،
وعقله دائما في احتياج إلى التغذي بالمعلومات التي تصل إليه بواسطتها.
فكلما كانت حواس المرء أكثر تناولا للأشياء وأعظم تمييزا لأوصافها
وأسرع وصولا إلى دقائقها - كان المرء أوسع علما وأحد ذهنا، وأكمل نباهة.
ومن أجل ذلك كان العربي يطلع بقدر استطاعته على الأشياء بذاتها، ويتمرن على
اكتشاف أسرارها بنفسه، فكان ينشأ غزير المعرفة قوي التصور شديد الفطنة.
ومن (القواعد المقررة) أنه كلما كان العقل أكثر عملا بنفسه في تصور
الأمور والحكم عليها، كان أقوى حصولا على المعارف وأمضى نظرا في
المعلومات، وأقرب إصابة للحقائق. وهذه هي الحكمة في اتخاذ العرب طريقة
الإرشاد في تربية أفكارهم، فكان العربي يقدر على استعمال عقله دائما في كل ما
يريد معرفته، وبسبب هذه العادة كان ينفر عن تلقي المسائل تلقينا صرفا وقضايا