الأيدي واشتراكها في تحصيل المنافع، تكثر الخيرات وتتوفر أمتعة الحياة،
ويتضح من ذلك أن أهل الدعة والمحبين لأنفسهم، الساعين في منافعهم الشخصية،
يأخذون في تسخير الناس لقضاء حوائجهم من غير أن ينفعوهم بشيء، وأن
الأقوياء والماكرين يطمحون بأطماعهم إلى ما في أيدي الناس واغتصابه منهم بالقوة
إذا أمكن، أو انتزاعه منهم بالحيلة، وممانعتهم عنه بكل ما يمكنهم من الطرق؛
ولهذا كان من الضروري للعائش بين قوم أن يكون صحيح الجسم، قوى البدن، ذا
بأس شديد، حتى يتأتى له أن يعمل ما ينفع وينتفع به، ولكي إذا اضطرته الحالة
يمكنه المدافعة عن نفسه ونفيسه ممن يتعدى عليه، وكان من أقصى الواجبات على
من يرصدون أنفسهم لتولي أمور الجمهور أن يتخذوا الوسائل التي يكونون بها من
الأصحاء الأقوياء الأشداء، ليقوموا بواجب حماية الضعفاء ونصر المظلومين،
وحفظ حقوق الناس، ومنع أسباب التعدي من بينهم، وقد علم أمراء العرب
بالتجارب هذه الغاية، فأوجبوا على أنفسهم (تربية جسمية) تعدهم لحماية أقوامهم،
وتمكين الأمن بينهم.
فذلك ما كانت عليه تربية أمراء العرب قبيل الإسلام حسبما ترشد إليه
أبيات الحطيئة.
فكانت إذن على أنواع ثلاثة:
(1) تربية فكرية.
(2) تربية أدبية.
(3) تربية جسمية.
فأما التربية الفكرية
فقد جلى نورها في قوله:
(مكاشيف للدجى)
إذ هو عبارة عن أنهم عارفون بالأمور معرفة تامة، مبينون لها تبينا كاملا،
فالواحد منهم فضلا [1] عن أنه نير في نفسه منور لغيره.
إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بملتقطات لا ترى بينها فصلا
كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع ... لذي إربة في القول جدا ولا هزلا
لأن العلم المتمكن أشبه بالضوء الساطع الذي يشرق على الأشياء فيجعلها في
غاية الظهور حتى للضرير، والجهل المطبق أشبه بالظلام الذي يتراكم عليها
فيصيرها في نهاية الخفاء حتى على البصير، كما قيل:
العلم نور، والجهل عمى ...
وقد لخص خلاصتها في قوله:
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ...
حيث هو عبارة عن أنهم لا يشرعون في أمر من الأمور إلا أحكموه تمام
الإحكام، فإن الأمر المحكم الذي لا يقبل النقض مدى الأزمان، كالبناء المتقن الذي
لا يتهدم على توالي الأيام، ولا شك أن إبرام الأمور على أحكم نظام يحتاج إلى
علم راسخ وتبصر تام.
***
وأما التربية الأدبية
فقد أودع ثمرتها في قوله:
يسوسون أحلاما بعيدا أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والجد
وفي قوله:
وإن كانت النعماء فيهم جروا بها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا
حيث أفاد أنهم يسلكون مع الناس على مقتضى العقل، ويعاملونهم بالحلم،
ولا يغضبون عليهم إلا في الجد، ويثمر فيهم المعروف، ويحلو منهم الجميل.
تخالهم للحلم صما عن الخنا ... وخرسا عن الفحشاء عند التهاتر
ومرضى إذا لاقوا حياء ومنة ... وعند الحروب كالليوث الكواسر [2]
لهم عز إنصاف وذل تواضع ... بهم ولهم ذلت رقاب العشائر
كأن بهم وصما يخافون ثاره ... وليس بهم إلا اتقاء المعاثر [3]
أليست هذه مكارم الأخلاق وخصائص الآداب؟
وأما التربية الجسمية
فقد أجمل أثرها في قوله: (مطاعين للهيجا) لأنه لا يجيد الطعان عند
احتدام القتال إلا من كان له جسم شديد، وقلب من حديد.
وترى الفوارس من مهابة رمحه ... مثل البغاث خشين وقع الأجدل
الطريقة
التي كانت متخذة في التربية العربية
كانت طريقة تربية العربي طبيعية عملية، بمعنى أن العرب بنوها على
مقتضى طبيعة الإنسان، وطبيعة الأشياء التي يمكنه أن يعلمها، وسنأتي على
تفصيل هذا المعنى بعد إن شاء الله تعالى.
وكانت تلك الطريقة متبعة في جميع أنواع التربية.
***
أما في التربية الفكرية
فكان العربي يدرس على نفس الأشياء، تتمثل له بذاتها، ويتصورها بنفسه،
ويحكم فيها بعقله، ويجربها بشخصه، فيصفها عن مشاهدة، ويقضي فيها على
بصيرة، ويستعملها عن تجربة.