تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمواهب، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه وكرم الله

وجهه - أنه قال: الداعي بلا عمل، كالرامي بلا وتر. يعني أن الدعاء بلا سعي

ولا اجتهاد لا ينفع العباد، وجاء في الحديث الشريف عن النبي ذي القدر

المنيف، صلى الله عليه وسلم، وشرف وكرم، أنه قال: (خيركم من لم يترك

آخرته لدنياه ولا دنياه لآخرته) [2] يعني: لا ينبغي ترك الآخرة لأجل الدنيا، ولا

ترك الدنيا لأجل الآخرة، بل يلزم السعي للدنيا وللآخرة. وقال الله تعالى في كتابه

المكنون: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ (الذاريات: 56) أي،

ليعرفوني فيمتثلوا أوامري، يعنى ما خلق الله الجن والإنس إلا لإيفاء

الوظائف الاجتماعية والدينية.

***

الخطبة الثانية

قال بعد الحمدلة: أيها الإخوان:

إن الله جلت حكمته، وعلت قدرته، أمر برفع أعلام التمدن [3] في أقطار

الأرض في طولها والعرض، فمن حسنت ديانته، طابت مدنيته، التدين هو عين

التمدن، كل شخص متدين فهو متمدن، وبالحض على التعاون الاجتماعي وبذل

الهمم والمساعي جاءت الأحاديث النبوية، والآيات الجليلة القرآنية، لا سيما

احترام العلوم النافعة، والمعارف الجليلة الرافعة، قال عليه الصلاة والسلام:

(ارتعوا في رياض الجنة، قالوا: ما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: مجالس

العلم) ، وقال عليه السلام: (إذا لقيتم شجرة من أشجار الجنة فاقعدوا في ظلالها

وكلوا من ثمارها، قالوا: وكيف يمكن هذا في دار دنيانا يا رسول الله؟ فقال عليه

الصلاة والسلام: إذا لقيتم صاحب العلم فكأنما لقيتم شجرة من أشجار

الجنة) [4] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها

أخذها) [5] المراد من الحكمة كل علم مفيد، وكل صنعة مفيدة.

فالمدنية الإسلامية استنادها على العلوم النافعة، والأعمال الجليلة الرافعة،

ومدارها على التقوى وعلى اكتساب الكمالات والتزين بالصفات العاليات، فهي درة

تاج المدنيات، قال الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، {من عمل صالحا من ذكر أو

أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} (النحل: 97) الحياة الطيبة، وما أدراكم

ما الحياة الطيبة؟ هي المعيشة في المدنية، بحالة مرضية، طوبى لمن كانت نعم الله عليهم وافرة، وديارهم بالعلوم والآثار النفيسة عامرة، طوبى لمن كانت

مساعيهم عند الهيئة الاجتماعية مشكورة، وسيرهم الحسنة في صحف التاريخ

مسطورة ...

-----------------

<span class="footnote">

(1) وفي بعض المكتوبات البقاع المقدسة.

(2) المنار: تتمته (ولم يكن كلا على الناس) رواه الخطيب من حديث أنس وأشار في الجامع الصغير إلى صحته، وقال ابن الجوزي لا يصح في إسناده نعيم بن سالم، قال ابن حبان كان يضع الحديث

اه والمشهور أنه ضعيف متروك ورواه ابن عساكر عنه بلفظ (ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه حتى يصيب منهما جميعا، فإن الدنيا بلاغ إلى الآخرة، ولا تكونوا كلا على الناس) ، أشار السيوطي في الجامع الصغير إلى ضعفه، ولكن الشيخ محمد الحوت قال في كتاب ضعاف الجامع: إن المصنف سكت عليه.

(3) المنار: أراد بالتمدن فيما يظهر الحضارة الإسلامية التي يصفها بعد بقوله (فالمدنية) .

(4) لا أذكر أنني رأيت هذا الحديث في شيء من دواوين السنة ولا غيرها، والذي نعرفه من رواية الحديث (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا) ، ولما سألوه عنها قال: (حلق الذكر) رواه أحمد

والترمذي عن أنس بسند حسن، وقال السيوطي: صحيح، وعند الترمذي عن أبي هريرة أنه قال: (المساجد) ، وقال: إنه حديث غريب، وعند البيهقي عن ابن عباس أنه قال: (مجالس العلم) وفي سنده رجل لم يسم.

(5) رواه الترمذي عن أبي هريرة بلفظ: (الكلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها) .</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٢٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٢٢٧