الحسن الشاذلي - من أئمة الصوفية - كلمة جامعة في ذلك، وهي: (وقد أبهمت
الأمر علينا؛ لنرجو ونخاف، فأمن خوفنا، ولا تخيب رجائنا) .
وأما حديث (كل شيء بقدر [1] حتى العجز والكيس) ، أو قال: (الكيس
والعجز) ، فقد رواه أحمد ومسلم، كما قال، فهو صحيح السند، والكيس بوزن
البيع: مصدر كاس يكيس، وهو الحذق وحسن التصرف في الأمور، ويقابله
العجز عن حسن التصرف والقيام بالواجب، ومنه حديث (الكيس من دان نفسه،
وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني) ،
رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححوه. ومعنى الحديث المسؤول
عنه أن الغرائز والصفات النفسية للبشر مخلوقة بقدر الله تعالى الذي أقام به نظام
الكون، وليست من المصادفات أو من الجزاف، وذلك أن القدر هو النظام الذي سبق
في علم الله تعالى لخلق الأشياء، فلم يقع شيء في العالم إلا بخلقه تعالى وتقديره
السابق في علمه، ومنكرو القدر يزعمون أن الله تعالى يخلق الأشياء جزافا، كما يريد
عند خلقها لا بحسب ما قدره ودبره، وسبق به علمه الأزلي، وهو ما يعبرون عنه
بقوله: (الأمر أنف) ؛ أي: جديد مستأنف، ولفظ القدر ينافي هذا المعنى، وهو
ثابت بنص القرآن كقوله تعالى: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ (القمر: 49) ،
وقوله: ﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم﴾ (الحجر:
21) ، وقد فصلنا هذه المسائل من قبل مرارا.
-----------------
<span class="footnote">
(1) كان من غلط الطبع في السؤال أن جعلت الباء الموحدة ياء مثناة هكذا (يقدر) .</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">